وبيان ذلك أن القياس لا ينسخ بغير القياس الأجلى : كالنص ، والإجماع ، والقياس الأخفى ، والمساوي .
أما أن القياس لا ينسخ بالنص ، ولا بالإجماع : فلأن شرط العمل بالقياس ألا يوجد ما يخالفه من نص أو إجماع ، فإذا وجد ما يخالفه من ذلك فقد بطل العمل به .
وأما أنه لا ينسخ بالقياس المساوى : فلأن ذلك يؤدي إلى ترجيح أحد المتساويين على الآخر ، بدون مرجّح ، وهو باطل .
وأما أنه لا ينسخ بالقياس الأخفى : فلأن ذلك يؤدي إلى العمل بالمرجوح ، وترك الراجح ، وهو باطل .
وإذا بطل أن يكون غير القياس ناسخا للقياس : تعين أن يكون الناسخ له هو القياس الأجلى ، وهو مختار الإسنوي « 1 » .
رأى الآمدي :
حكى الآمدي في كون القياس منسوخا قولين ، ثم اختار غيرهما .
الأول : المنع من نسخه مطلقا ، ونسب هذا القول للحنابلة ، والقاضي عبد الجبار ، في بعض أقواله ؛ لأن القياس إذا كان مستنبطا من الأصل فالقياس باق لبقاء أصله ، فلا يتصور رفع حكمه مع بقاء أصله .
الثاني : التفصيل بين القياس الموجود في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وبعد وفاته .
فإن كان القياس موجودا في زمنه ، فيجوز نسخه ، وإن كان القياس موجودا بعد وفاته بأن يكون اجتهد بعض المجتهدين ، فأداه القياس إلى تحريم شئ ، ثم اطلع بعد ذلك على دليل يحرم هذا الشيء ، فإنه يلزم من ذلك رفع حكم قياسه الأول ، وإن كان ذلك لا يسمى نسخا .
أما اختياره هو : فيرى أن القياس إن كانت علته منصوصة من الشارع ، فهي في معنى النص ، وهذا يجوز نسخه بنص أو قياس في معناه .
وإن كانت علته مستنبطة بنظر المجتهد ، فحكمها في حقه غير ثابت بالدليل الشرعي ، بل ثابت بالاستنباط ، وحكم القياس هنا لا يبقى معمولا به في الفرع ، لوجود المعارض ، بل يلغى ، ولكن لا يسمى هذا نسخا ؛ لأن الحكم الثابت بالقياس المستنبط العلة ليس ثابتا بخطاب الشارع ، والنسخ هو رفع الحكم
هامش
( 1 ) انظر نهاية السول للإسنوي 2 / 187 .