أقول لا تنافي بين هذه الأقوال الثلاث حيث أن الوحي لمّا بدا كانت الآيات الأولى من سورة العلق ، ثم انقطع الوحي عن النزول لمدة ثلاث سنين ، ثم نزل عليه القرآن وتتابع الوحي .
عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يحدّث عن فترة الوحي - انقطاعه - قال فبينما أنا أمشي إذ سمعت هاتفا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض فجئت منه فرقا - أي فزعت - فرجعت ، فقلت : زمّلوني زمّلوني فدثّروني فأنزل اللّه تبارك وتعالى
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
سورة المدّثر آية 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5 .
فهذه الرواية حاكمة على رواية جابر المسبقة في كون أن هذه الآيات إنّما نزلت بعد انقطاع الوحي الأول .
أمّا سورة الفاتحة فيمكن القول أنها أوّل سورة كاملة نزلت لا أنها أوّل الآيات النازلة ، وقد ورد في أخبار أهل البيت عليه السّلام ان لا صلاة بغير فاتحة الكتاب وقد قال السيوطي لم يحفظ أنه كان في الإسلام صلاة بغير فاتحة الكتاب ( الاتقان 1 / 12 ) .
ثم أن جبرائيل عليه السّلام أوّل ما نزل عليه بالوحي علّمه الوضوء والصلاة ، فكانت صلاته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منذ أول البعثة . وقد بعث على المشهور في يوم الاثنين . وأسلم علي بن أبي طالب يوم الثلاثاء إذ دخل عليه فوجده يصلي فسأله ما هذا قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هي الصلاة أمرني بها جبرائيل عن ربي فصلّى علي معه ثم لحق بهما خديجة وجعفر ثم زيد بن حارثة وكان غلاما لخديجة فوهبته للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولم يكن على وجه الأرض غير هؤلاء الخمسة يؤدّون هذه العبادة وفي ذلك روايات عديدة .
وكانت قريش كلّما مرّت بهم سخرت منهم ، قال علي بن إبراهيم القمي فلمّا أتى لذلك ثلاث سنين أنزل اللّه عليه
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
سورة الحجر آية 94 ، 95 قال وكان ذلك بعد أن بني بثلاث سنين ( تفسير القمي ص 353 - وبحار 18 / 53 و 179 ) .
وفي كتاب الغيبة للشيخ الطوسي بإسناده عن الإمام الصادق عليه السّلام