أوّلها في معنى ووسطها في معنى ، وآخرها في معنى .
فالنسخ عند المتقدّمين يختلف في الإطلاق عن النسخ في اصطلاح المتأخّرين كما أن النسخ عند المفسّرين هو غيره عند الأصوليين . فالبعض كان يسمّي التخصيص نسخا ، وتقييد المطلق نسخا ، وبيان المبهم والمجمل نسخا ، والاستثناء نسخا ، والشرط نسخا . والعلّة في جميع هذه الفقرات واحدة ، لأن النسخ يقتضي أن الأمر المتقدّم غير مطلوب في التكليف بل المراد ما جاء آخرا ، فالأول متروك والثاني هو المعمول به .
لهذا قال ولي الدين الدهلوي : من المواضع الصعبة في فن التفسير التي مساحتها واسعة جدا ، والاختلاف فيها كثيرا ، معرفة الناسخ والمنسوخ ، وأقوى الوجوه الصعبة اختلاف اصطلاح المتقدّمين والمتأخّرين . وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين أنهم كانوا يستعملون النسخ بإزاء المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء لا بإزاء مصطلح الأصوليين . فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى ، أما بانتهاء مدّة العمل أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر ، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا أو تخصيص عام ، أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس عليه ظاهرا ، أو إزالة عادة جاهلية أو الشريعة السابقة . . .
ثم يقول : واتّسعت دائرة الاختلاف ولهذا بلغ عدد الآيات المنسوخة خمسمائة . . . والمنسوخ باصطلاح المتأخّرين عدد قليل . ( محاسن التأويل 1 / 13 ) .
أقول : ومن خلال الاستقراء لكتب النسخ تجد الفوارق ، ويظهر لك مدى الاختلاف في تحديد آيات النسخ :
1 - فمثلا تجد عدد مواضع النسخ عند أبي عبد اللّه بن حزم المتوفى سنة 320 ه هو مائتان وأربعة عشر موضعا .
2 - وعند أبي جعفر النحاس ت 337 ه مائة وأربعة وثلاثون موضعا .
3 - وقد أحصاها ابن سلامة ت 410 ه في مائتين وثلاثة عشر موضعا .
4 - أما عند عبد القاهر البغدادي ت 429 ه هو ست وستون موضعا .
الميسر في علوم القرآن — صفحة 189
مساهمون: عبد الرسول الغفار
ص١٨٩