تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميسر في علوم القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢

« بين النسخ والبداء »

لقد عرفت فيما سبق تعريف النسخ ، أما البداء « 1 » فله معنيان : الأول : الظهور بعد الخفاء قال تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
الزمر / 47 . وبدا لنا سور المدينة أي ظهر لنا بعد ما كان مختفيا . الثاني : حدوث رأي جديد لم يكن موجودا من قبل . قال تعالى :
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ
يوسف / 35 . أقول هل هناك تعارض بين البداء وبين قوله تعالى :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ . . .
الأنعام / 59 . وقوله تعالى :
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ . . .
سورة الرعد آية 8 ، 9 . لتقرير الجواب أقول : النسخ والبداء الواردان في الشريعة ليس هما بمنزلة الرأي الجديد أو علم بعد جهل - فلا يمكن حمله على معناه الحقيقي ، بل هو ظهور للناس بعد خفاء عليهم ، والخفاء صادق على الناس دون المشرع وهو اللّه سبحانه وإنما أخفاهما عليهم لمصلحة وهكذا الظهور إنما برز لانتهاء أمد ذلك الخفاء فالحكم السابق يتخيّله الناس أنه تشريع - ظاهره - فيه الدوام والاستمرار ، أما الواقع ليس كذلك ، فقد شاء الحكيم أن يجعل من الأول محدودا بأمد معلوم لديه . إلّا أنه لم يظهره لمصلحة هو سبحانه قدّرها في علمه الأزلي وهذه المصلحة مرتبطة بأمد هو سبحانه أعلم به . لقد تصوّر بعض الكتّاب - عندما تعرّضوا للنسخ - أن البداء نوع أو
هامش
( 1 ) من الغريب أن يتهجم الشيخ العريض على من قال بالبداء وهو لم يفهم معانيه ، وما يجوز منه وما لا يجوز بل أنه قد فهم من ذلك الجانب المحذور ولم يستوعب أصل الموضوع . انظر فتح المنان ص 50 - 52 .