وعن الفرّاء : النسخ أن تعمل الآية ثم تنزل آية أخرى فتعمل بها وتترك الأولى « 1 » .
هذه المعاني الواردة في اللغة تلتقي إلى حد ما مع النسخ بمفهومه التفسيري الذي منه :
التخصيص والاستثناء ، وتبدل الحكم بتغيير ظرفه ، أو تبدّل موضوعه أو انتهاء أمده وما إلى ذلك ممّا تأتي الإشارة إليه .
لا يخفى أن النسخ من مختصات هذه الشريعة التي نسخت كل الشرائع السماوية المتقدّمة عليها ، غير أن اليهود حرّموه . فهم لا يجوّزونه ظنّا منهم أنه ( بداء ) كالذي يرى الرأي ثم يبدو له ، أي ظهور العلم بعد الجهل به ، قالت اليهود هذا هو البداء وهو على اللّه غير جائز والنسخ مثله فهو أيضا غير واقع .
إلّا أن الأمر ليس كذلك وسوف نفصّل إن شاء اللّه في معنى البداء ونبيّن الفرق بينه وبين النسخ .
معنى النسخ يختلف عن البداء كما يختلف عن المعنى الذي رسمه اليهود ، عندما قالوا ظهور العلم بعد الجهل به .
وممّا يستدل على بطلان قول اليهود هو أن القرآن الكريم - ناسخه ومنسوخه - جميعه كان في اللوح المحفوظ وهو المسمّى بأمّ الكتاب قال تعالى :
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
الزخرف / 4 وقوله تعالى :
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
الواقعة / 78 ، 79 فالنسخ إنّما يحدث من أصل أي من اللوح المحفوظ ، لا كما توهّمه البعض من المسلمين تبعا لمقالة اليهود أو النصارى . ثم أنك تجد تعريف النسخ عند الصحابة والتابعين يختلف عمّا هو عليه في القرن الثالث والرابع الهجري ، كما أن تعريفه عند المفسّرين يختلف عن تعريفه عند الأصوليين .
فالنسخ عند الصحابة كان يشمل مفهوم التخصيص والتقييد والاستثناء ثم اتّسع هذا المفهوم عند المفسّرين في عصر التدوين ليشمل كل المعاني التي أشارت إليه اللغة ؛ كترك العمل بالحكم لتغيّر ظرفه أو تبديل موضوعه ، كآية السيف ومنسوخاتها .
هامش
( 1 ) تاج العروس : مادة نسخ .