وفي موضع آخر من الصحيح يذكر البخاري نفس الرواية المتقدّمة ، ويقول : نزلت في أبي طالب هذه الآية :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
القصص / 56 ( صحيح البخاري 6 / 18 ) وقال الزركشي نزلت في أبي طالب
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
ثم يعقب فيقول وأنزل اللّه في أبي طالب
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
القصص / 56 برهان الزركشي 1 / 31 ثم قال وهذه الآية نزلت في آخر الأمر بالاتفاق .
أقول أين هذه الأقوال المتضاربة من نزول السورة ( التوبة ) حيث أجمع علماء التفسير أنها نزلت بالمدينة ، أمّا وفاة أبي طالب فكانت في السنة العاشرة من البعثة النبويّة وفي مكة فما المناسبة من ربط هذه الآية بأبي طالب ؟ ولما ذا هذا الإصرار من علماء الجمهور « 1 » على أبي طالب في كونه مات كافرا - معاذ اللّه - أضف إلى ذلك لم يدّع أحد من المفسّرين أن سورة التوبة نزلت في مكة لا كلا ولا بعضا . ثم الآية من سورة التوبة إنما نزلت بسبب عدّة من المسلمين قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ألا تستغفر لآبائنا الذين ماتوا في الجاهلية فأنزل اللّه سبحانه هذه الآية وبيّن أنه لا ينبغي لنبي ولا مؤمن أن يدعو لكافر ويستغفر له قال الطبرسي في المجمع تعقيبا لما تقدّم : وقوله ( ما كان للنبي ) أبلغ من أن يقول ( لا ينبغي للنبي ) لأنه يدل على قبحه وأن الحكمة تمنع منه « 2 » . أقول ثبت من طرق أهل بيت العصمة أيمان أبي طالب وأنه مات على الإسلام ، غير أن الأحقاد والضغائن لا تزال في صدور البعض .
وقد حقّقنا موضوع إيمان أبي طالب في كتابنا شاعر العقيدة فراجع ص 79 - 94 .
نستخلص ممّا تقدم أن معرفة سبب النزول يحدد لنا مفهوم الآية ، وتفسيرها وفيمن نزلت وبأي مكان وزمان . فإذا أحطنا بهذه الخصوصيات عند ذاك يندر الالتباس أو الوقوع في الخطأ .
هامش
( 1 ) انظر تفسير ابن كثير 2 / 393 .
( 2 ) مجمع البيان 5 / 76 .