في سلمه وحربه . . . أنه أقرب إلى فهم الآية ونشوئها وسبب نزولها من غيره . . . لهذا لم نجد من الأوائل كبير اهتمام « 1 » في شأن النزول وسببه ، نعم إنّما كان ذلك الاهتمام في أواخر القرن الأول الهجري ، وكما قيل أن أوّل من صنّف في هذا العلم الشريف : ضحاك بن مزاحم الهلالي البلخي الخراساني سمّاه ( نزول القرآن ) وكما نقل أن عكرمة صنّف كتابا سمّاه كذلك ( نزول القرآن ) . ومن أوائل المصنّفين شيخ وأستاذ البخاري علي بن مدين المتوفّى سنة 234 ه ، له كتاب بعنوان أسباب النزول .
وليس بعيدا إذا قلنا أن الاهتمام بتدوين التفسير قد رافقه نفس الاهتمام بعلم أسباب النزول ، وذلك لأن كثيرا من الآيات يتوقّف تفسيرها على فهم السبب ، ولا بدّ من الإحاطة الكاملة بشأن الآية والقصة التي نزلت فيها آية أو سورة ، لهذا تعدّ معرفة أسباب النزول إحدى المقدّمات المهمة التي ينبغي للمفسّر أن يلمّ بها ، وإلّا سوف يغيب عنه المعنى الحقيقي ومن ثمّة يخرج تفسيره عن الاعتبار بل قد يقترف الخطأ إن لم نقل الذنب الكبير ، الذي تترتّب عليه كثير من المفاسد .
قال الواحدي النيسابوري - وهو يبيّن أهميّة هذا العلم وخطره - فآل الأمر بنا إلى إفادة المبتدئين المتستّرين بعلوم الكتاب إبانة ما أنزل فيه من الأسباب إذ هي أوفى ما يجب الوقوف عليها ، وأولى ما تعرف العناية إليها لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها ، دون الوقوف على قصّتها وبيان نزولها ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلّا بالرواية والسماع ممّن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب ، وبحثوا عن علمها وجدّوا في الطلاب وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العثار في هذا العلم بالنار . « أسباب النزول ص 4 » .
« الوسيلة إلى معرفة أسباب النزول »
لفهم الآية والإحاطة الكاملة بشأنها وسائل عديدة ربّما أهمّاه تلك
هامش
( 1 ) قال الواحدي بإسناده عن ابن سيرين قال سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال اتق اللّه وقل سدادا ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن . وفي عبارة أخرى له قال الواحدي - والسلف الماضون رحمهم اللّه كانوا من أبعد الغاية احترازا عن القول في نزول الآية . ( أسباب النزول ص 4 ) .