فإن قلت : فقوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
[ القدر : 1 ] من جملة القرآن الذي نزل جملة ، أم لا ؟ فإن لم يكن منه فما نزل جملة ، وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة ؟
قلت : له وجهان :
أحدهما : أن يكون معنى الكلام : إنّا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر ، وقضينا به ، وقدرناه في الأزل ، وأردناه ، وشئناه ، وما أشبه ذلك .
والثاني : أن لفظه لفظ الماضي ، ومعناه الاستقبال ، وله نظائر في القرآن وغيره ، أي ننزله جملة في ليلة مباركة هي ليلة القدر ؛ واختير لفظ الماضي لأمرين :
أحدهما : تحققه وكونه أمرا لا بد منه .
والثاني : أنه حال اتصاله بالمنزل عليه ، يكون الماضي في معناه محققا ، لأن نزوله منجما كان بعد نزوله جملة واحدة ، وكل ذلك حسن واضح ، واللّه أعلم .
فإن قلت : ما السر في نزوله إلى الأرض منجما ، وهلا أنزل جملة كسائر الكتب ؟
قلت : هذا سؤال قد تولى اللّه سبحانه الجواب عنه ، فقال في كتابه العزيز :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
[ الفرقان : 32 ] ، يعنون كما أنزل على من كان قبله من الرسل ، فأجابهم اللّه تعالى بقوله :
كَذلِكَ
أي أنزلناه كذلك مفرقا
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
أي لنقوي به قلبك ، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك عليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل عليه السلام عليه فيه على ما سنذكره .
وقيل : معنى
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
[ الفرقان : 32 ] ، أي لتحفظه فيكون فؤادك ثابتا به غير مضطرب ؛ وكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم أميّا لا يكتب ولا يقرأ ، ففرق عليه القرآن ليتيسّر عليه حفظه ، ولو نزل جملة لتعذر عليه حفظه في وقت واحد على ما أجرى اللّه تعالى به عوائد خلقه ، والتوراة نزلت على موسى عليه السلام مكتوبة وكان كاتبا قارئا ، وكذا كان غيره ، واللّه أعلم .
فإن قلت : كان في القدرة إذا أنزله جملة أن يسهل عليه حفظه دفعة واحدة .
قلت : ما كل ممكن في القدرة بلازم وقوعه ، فقد كان في قدرته تعالى أن يعلمه الكتابة والقراءة في لحظة واحدة ، وأن يلهمهم الإيمان به ، ولكنه لم يفعل ، ولا