قوله :
حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ
[ سبأ : 23 ] ، فأتى به جبريل إلى بيت العزة ، فأملاه جبريل على السّفرة الكتبة ، يعني الملائكة ، وهو قوله تعالى :
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ
[ عبس : 15 - 16 ] .
نقلته من كتاب « شفاء القلوب » ، وهو تفسير علي بن سهل النيسابوري « 1 » .
وما رواه داود عن الشعبي ، يعد قولا رابعا في معنى قوله تعالى :
أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
[ البقرة : 185 ] ، وكأنه نزل عرضه وإحكامه في رمضان من كل سنة منزلة إنزاله فيه ، مع أنه قد لا ينفك من إحداث إنزال ما لم ينزل أو تغيير بعض ما نزل بنسخ أو إباحة تغيير بعض ألفاظه على ما سيأتي ، وإن ضم إلى ذلك كونه ابتدأ نزوله في شهر رمضان ظهرت قوته .
وقد أوضحنا في كتاب « شرح حديث المبعث » : أن أول ما نزل على النبي صلى اللّه عليه وسلّم :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
[ العلق : 1 ] ، وذلك بحراء عند ابتداء نبوّته ، ويجوز أن يكون قوله :
أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
إشارة إلى كل ذلك ، وهو كونه أنزل جملة إلى السماء الدنيا وأول نزوله إلى الأرض وعرضه وإحكامه في شهر رمضان ، فقويت ملابسة شهر رمضان للقرآن ، إنزالا جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما ؛ فلم يكن شيء من الأزمان تحقق له من الظرفية للقرآن ما تحقق لشهر رمضان ، فلمجموع هذه المعاني قيل :
أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ .
فإن قلت : ما السر في إنزاله جملة إلى السماء الدنيا ؟
قلت : فيه تفخيم لأمره وأمر من أنزل عليه ، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب ، المنزل على خاتم الرسل لأشرف الأمم ، قد قربناه إليهم لننزّله عليهم ، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الوقائع لم نهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله ، ولكن اللّه تعالى باين بينه وبينها فجمع له الأمرين إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقا . وهذا من جملة ما شرف به نبينا صلى اللّه عليه وسلّم ، كما شرف بحيازة درجتي الغني الشاكر والفقير الصابر ، فأوتي مفاتيح خزائن الأرض ، فردها واختار الفقر والإيثار بما فتح اللّه عليه من البلاد ، فكان غنيّا شاكرا وفقيرا صابرا صلى اللّه عليه وسلّم .
هامش
( 1 ) هو علي بن سهل بن العباس بن سهل النيسابوري ، أبو الحسن الشافعي ، عالم ، زاهد ، مقرئ . توفي سنة 491 ه ، له من المصنفات : « زاد الحاضر والبادي » في التفسير ، « مكارم الأخلاق » . ( انظر ترجمته في : كشف الظنون 5 / 694 ، بغية الوعاة ص 338 ، طبقات السبكي 3 / 299 ) .