وعن ابن شهاب « 1 » قال : أخبرني أنس بن مالك « 2 » أن اللّه تعالى تابع الوحي على رسوله قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي ، ثم توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بعد .
هذا لفظ البخاري « 3 » ؛ ولمسلم « 4 » : إن اللّه عز وجل تابع الوحي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قبل وفاته حتى توفي ، وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم .
قلت : يعني عام وفاته أو حين وفاته ، يريد أيام مرضه كلها ، كما يقال : يوم الجمل ويوم صفّين ، وكانت أياما ، واللّه أعلم .
فصل
أول ما نزل على النبي صلى اللّه عليه وسلّم من القرآن أول سورة
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ،
نزل ذلك عليه بحراء عند ابتداء نبوّته ، على ما شرحناه في كتاب « المبعث » ، ثم نزل :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
[ المدثر : 1 ] ثم صار ينزل منه شيء فشئ بحسب الوقائع والنوازل مكيّا ، ومدنيّا حضرا وسفرا ؛ وآخر ما نزل من الآيات :
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
[ البقرة : 281 ] الآية ، وقيل :
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ
[ النساء : 176 ] إلى آخرها ، وقيل :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ التوبة : 128 - 129 ] إلى آخر الآيتين ، وقيل : آيات الربا ، وهو الموافق للقول الأول ، لأن
وَاتَّقُوا يَوْماً
هي آخرهن ، ونزل يوم عرفة في حجة الوداع :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . .
[ المائدة : 3 ] الآية .
قال أبو عبيد : حدثنا حجاج « 5 » عن ابن جريج « 6 » ، قال : قال ابن عباس : آخر
هامش
( 1 ) ابن شهاب : هو محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن شهاب ، أبو بكر الزهري ، أول من دوّن الحديث ، وأحد الفقهاء والأعلام التابعين بالمدينة ، توفي سنة 124 ه ، صنّف كتاب « المغازي » ، ( انظر ترجمته في : كشف الظنون 6 / 7 ، تهذيب التهذيب 9 / 445 ، غاية النهاية 2 / 262 ، تذكرة الحفاظ 1 / 102 ، وفيات الأعيان 1 / 571 ) .
( 2 ) هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام ، الأنصاري البخاري صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وخادمه . روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم وعن أبي بن كعب ، وأسيد بن حضير ، توفي سنة 93 ه .
( انظر ترجمته في : البداية والنهاية 9 / 97 - 101 ، الطبقات الكبرى لابن سعد 7 / 12 ، كتاب الثقات لابن حبان 3 / 4 ، الأعلام للزركلي 2 / 24 ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر 3 / 139 ، صفة الصفوة 1 / 298 ، تهذيب الكمال 2 / 330 - 345 ، كتاب الوفيات لابن قنفذ ص 85 ) .
( 3 ) انظر صحيح البخاري ، كتاب فضائل القرآن ، باب 1 .
( 4 ) انظر صحيح مسلم ، كتاب التفسير ، حديث 1 ، وأحمد في المسند 3 / 236 .
( 5 ) حجاج : هو حجاج بن محمد الأعور ، أبو محمد المصيصي ، توفي سنة 206 ه . ( انظر ترجمته في : تهذيب التهذيب 2 / 205 ، غاية النهاية 1 / 203 ) .
( 6 ) ابن جريج : هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي القرشي ، أبو الوليد المكي ، الفقيه -