تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدخل لدراسة القرآن الكريم — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
إن رسم المصحف كان باصطلاح من الصحابة ، لأنهم كانوا حديثي عهد بالكتابة وإليك ما قاله القاضي أبو بكر : وأما الكتابة فلم يفرض اللّه على الأمة فيها شيئا ، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه ؛ إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف . وليس في نصوص الكتاب ، ولا مفهومه ، أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص ، وحد محدود لا يجوز تجاوزه ، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك ، ولا دلت عليه القياسات الشرعية ؛ بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر برسمه ، ولم يبين لهم وجها معينا ، ولا نهى أحدا عن كتابته ؛ ولذلك اختلفت خطوط المصاحف . فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ ، ومنهم من كان يزيد وينقص ؛ لعلمه بأن ذلك اصطلاح ، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال ، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول ، وأن يجعل اللام على صورة الكاف ، وأن تعوج الألف ، وأن يكتب على غير هذه الوجوه ، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين ، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة ، وجاز أن يكتب بين ذلك . وإذا كانت خطوط المصاحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة وأن الناس قد أجازوا ذلك وأجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته ، وما هو أسهل وأشهر وأولى ، من غير تأثيم ولا تناكر ، علم أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص ، كما أخذ عليهم في القراءة والأذان ، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري
هامش
وتأخرا ، فكلما كانت الحضارة قوية كانت الكتابة أحكم وأجود ، وكلما كانت البداوة مستحكمة كانت الأمية أغلب وأعم ، وإن الصحابة لم يكونوا على درجة من إتقان الخط ، فمن ثم خالفت خطوط المصاحف ما هو معروف من القواعد الخطية في بعض الآيات القرآنية ، وإن من جاء بعدهم اقتدى برسمهم ، اتباعا لهم وتبركا بهم . . . إلى آخر ما قال .
المدخل لدراسة القرآن الكريم — صفحة 354 | محمد بن محمد ابو شهبة