إذا جاء صاحبك فادفعى هذه اليه ، وخرج قيس بن سعد [ 1 ] فما أتت عليه إلّا ساعة حتّى لحقه الرّجل صاحب المنزل على فرس ومعه رمح ، والثّياب والدّراهم بين يديه ، فقال : يا هؤلاء خذوا ثيابكم ودراهمكم ، فقال قيس : انصرف أيّها الرّجل فإنّا لم نكن لنأخذها ، فقال الرّجل : واللَّه لتأخذنّها ، فعجب قيس منه ثمّ قال : للَّه أبوك ! ؟
ألم تكرمنا وتحسن ضافتنا ؟ فكافأناك ، فليس بهذا بأس ، فقال الرّجل : إنّا لا نأخذ لقرى ابن السّبيل والضّيف ثمنا ، واللَّه لا أفعل ذلك أبدا ، فقال قيس : أمّا إذ أبى [ ألّا يأخذها ] فخذوها . فو اللَّه ما فضلني رجل من العرب قطّ غيره .
قال : وقال أبو المنذر [ 2 ] : مرّ قيس [ في طريقه ] برجل من بلىّ [ 3 ] يقال له :
الأسود [ 4 ] فنزل به فأكرمه فلمّا أراد قيس أن يرتحل وضع عند امرأته ثيابا ودراهم ، فلمّا جاء الرّجل دفعت إليه امرأته ذلك فلحقه فقال : ما أنا ببائع ضيافتي ، واللَّه لتأخذنّها والّا طعنتك بالرّمح [ 5 ] فقال قيس : ويحكم خذوه [ 6 ] .
ثمّ أقبل قيس حتّى دخل المدينة فجاءه حسّان بن ثابت شامتا به ، وكان عثمانيّا فقال له : نزعك عليّ بن أبي طالب وقد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم . ولم يحسن لك الشّكر ، فزجره قيس وقال له ، يا أعمى القلب يا أعمى البصيرة [ 7 ] [ واللَّه ] لولا أن القى بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك ، اخرج عنّي [ 8 ] .
شرح
[ 1 ] - في شرح النهج : « ثم رحل » .
[ 2 ] - المراد بأبي المنذر هنا هو هشام بن محمد الكلبي المذكور ترجمته في رقم 32 من التعليقات .
[ 3 ] - في الصحاح : « بلى على فعيل قبيلة من قضاعة ، والنسبة إليهم بلوى » .
[ 4 ] - في شرح النهج : « أسود بن فلان » .
[ 5 ] - في شرح النهج : « أو لأنفذن الرمح بين جنبيك » .
[ 6 ] - هاتان القصتان غير مذكورتين في البحار والطبري ونقلهما ابن أبي الحديد كما في المتن .
[ 7 ] - في شرح النهج والبحار : « أعمى البصر » .
[ 8 ] - في شرح النهج والبحار : « ثم أخرجه من عنده » .