ويحيى بن يعمر « 1 » ، والحسن البصري « 2 » ، ونصر بن عاصم الليثي « 3 » ، ولا يمكنك هنا الجزم بنسبة شكل القرآن الكريم إلى واحد من هؤلاء الأربعة ؛ إذ هو لم يتمّ بالتأكيد بين يوم وليلة ، ولم يصدر عن رجل منهم في غداة فحظي بإجماع الأمة في عشية ، بل ظلّ في الناس من يكره ذلك كله وينكره ، ومن يدعو إلى تعديله وإصلاحه ، ومن يدعو إلى اعتماده ، وكان أشهر من يعارض ذلك كله الصحابي الجليل : عبد اللّه بن مسعود الذي كان يقول : جرّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء « 4 » ؛ بل نقل عن مجاهد من أئمة التابعين أنه كره تطييب المصاحف بالطيب ، أو وضع أوراق الورد بين صحائفها ، ولكن ذلك الاتّجاه ركن في النهاية إلى ضرورة الشكل في القرآن الكريم ، وكان من أول الآراء الواعية الناضجة لذلك رأي الإمام مالك الذي يقول فيه : لا بأس بالنّقط والشكل في المصاحف التي تتعلم فيها العلماء أما الأمهات فلا « 5 » .
ويمكن اختصار وجوه الأقوال بما استقرّ عليه العمل آخر المطاف ، وهو فتوى النووي في التبيان بقوله : « قال العلماء : يستحبّ نقط المصحف وشكله ، فإنه صيانة من اللحن فيه وتصفية ، وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط ، فإنما كرهها في ذلك الزمان خوفا من التّغيّر فيه ، وقد أمن ذلك لكونه محدثا ، فإنه من المحدثات الحسنة ، فلا يمنع منه كنظائره مثل تصنيف العلم ، وبناء المدارس ، والرّباطات ، وغير ذلك » « 6 » .
وقد أوجز السيوطي تاريخ تدوين الشكل بقوله : « كان الشكل في الصّدر الأول نقطا ، فالفتحة نقطة على الحرف والضّمة على آخره والكسرة تحت أوله ، وعليه مشى الدّاني ، والذي اشتهر
هامش
( 1 ) يحيي بن يعمر ( . . . - 129 ه ) : هو يحيى بن يعمر الواشقي العدواني ، أبو سليمان ، أول من نقّط المصاحف ، ولد بالأهواز وسكن البصرة ، كان من علماء التابعين ، عارف بالحديث والفقه ولهجات العرب ، أخذها عن أبيه ، وأخذ النحو عن الدؤلي ، ولي قضاء مرو ثم عزل ، وولي القضاء بالبصرة إلى أن مات بها . الأعلام 3 / 177 .
( 2 ) سبقت ترجمته في صفحة 79 .
( 3 ) نصر بن عاصم الليثي ( . . . - 89 ه ) : هو نصر بن عاصم الليثي ، من أوائل واضعي النحو مع الدؤلي السابق وعبد الرحمن بن هرمز ، فوضعوا للنحو أبوابا ، وأصّلوا له أصولا ، قال عنه ياقوت : كان من فقهاء التابعين ، عالما بالعربية ، أخذ النحو عن يحيى بن يعمر ، وأخذ عنه أبو عمرو بن العلاء . مات بالبصرة .
( 4 ) مباحث في علوم القرآن : 94 .
( 5 ) الإتقان 2 / 291 .
( 6 ) التّبيان للنووي 24 .