وهذا النهي يؤدي بالإجماع إلى عدم انعقاد اليمين ، ولكن هل يدل على تحريمه ؟
لا خلاف إن قصد تعظيم المحلوف به وتقديسه وإحلاله محلّ اللّه عزّ وجلّ ، فهو شرك وكفر ، وعليه تحمل الأحاديث الشديدة في ذلك « 1 » : « من حلف بغير اللّه فقد أشرك » « 2 » ، « لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت » « 3 » .
أما إن كان مما يجري به اللسان ، ولا يقصد المرء إيقاعه ، فغاية القول فيه أن لا ينعقد ، وقد كرهه الفقهاء ، وقال الشافعي : أخشى أن يكون معصية ، ولا يجب عليه كفارة « 4 » .
ونقل الزحيلي الإجماع على عدم انعقاده بقوله : « إذا حلف الإنسان بغير اللّه تعالى كالإسلام ، أو بأنبياء اللّه تعالى ، أو بملائكته . . . ، أو بالصحابة ، أو بالسماء ، أو بالأرض ، أو بالشمس ، أو بالقمر والنجوم ونحوها ؛ مثل : لعمرك ، وحياتك ، وحقك ؛ فلا يكون يمينا بإجماع العلماء وهو مكروه » « 5 » .
واختار الشافعية كذلك المنع من الحلف بغير اللّه ؛ قال السيد البكري : « لا ينعقد اليمين إلا باسم خاص باللّه تعالى أو صفاته : واللّه ، والرّحمن ، والإله ، وربّ العالمين ، وخالق الخلق » .
ثم قال : « فإذا قصد تعظيم المحلوف به فقد كفر لخبر : « من حلف بغير اللّه فقد كفر » « 6 » ، فإن لم يقصد ذلك أثم ، وهذا مذهب أكثر العلماء أي تبعا لنصّ الشافعي الصريح فيه « 7 » ، كذا قاله بعض شرّاح المنهاج « 8 » ، والذي في شرح مسلم « 9 » عن أكثر أصحاب الشافعي الكراهة ، وهو المعتمد ،
هامش
( 1 ) انظر موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي 3 / 388 الحاشية .
( 2 ) رواه أحمد عن ابن عمر ، وهو حسن ، انظر سبل السلام 2 / 167 ، ولم يبلغ الحديث رتبة الصحيح التي تستقل بتشريع الأحكام .
( 3 ) رواه مسلم برقم 1648 في كتاب الأيمان بصيغة : « لا تحلفوا بالطواغيت ولا بآبائكم » . وفي رواية النّسائي : « لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت » . انظر جامع الأصول 12 / 655 .
( 4 ) مغني المحتاج 4 / 320 . وانظر كذلك إعانة الطالبين للسيد البكري 4 / 313 .
( 5 ) الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور الزحيلي 3 / 288 .
( 6 ) انظر تخريجه في الصفحة السابقة نقلا عن سبل السلام للصنعاني 2 / 167 .
( 7 ) انظر الحاشية رقم 4 السالفة .
( 8 ) أي منهاج الطالبين .
( 9 ) أي شرح الإمام النووي على صحيح مسلم .