من ذلك كله ، وبها يستدل لا عليها ؛ إذ قد ثبت قطعا تواترها إلى المعصوم صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الروح الأمين ، ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .
وأجود الأقوال في الجمع بين النصوص قول من قال : إن الآية لم تأت في القسم بغير اللّه ، وإنما أتت في التساؤل بغير اللّه ، والتساؤل غير القسم ، وهو كقولهم : أسألك باللّه وبالرّحم ، فهي استعطاف وليس يمينا « 1 » .
وقد وردت هذه الأقوال عن ابن عباس ، ومجاهد ، وإبراهيم النخعي ، والحسن البصري ، كما حرر أقوالهم السيوطي في الدّر المنثور « 2 » .
قال القشيري في الإنكار على من ردّ قراءة حمزة : « ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين ، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القرّاء ثبتت عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم تواترا يعرفه أهل الصنعة ، وإذا ثبت شيء عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم فمن ردّ على ذلك ردّ على النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، واستقبح ما قرأ به ، وهذا مقام محذور ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو ، فإن العربية تتلقى من النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يشك أحد في فصاحته ، ثم إن النّهي إنما جاء في الحلف بغير اللّه ، وهذا توسل إلى الغير بحقّ الرحمن فلا نهي فيه » « 3 » .
ثمرة الخلاف :
أن كلّا من القراءتين المتواترتين أفاد حكما جديدا جديرا بالاعتبار . فقراءة حمزة أفادت جواز التساؤل بالرّحم ، والاستعطاف بالآباء ، وهو قول مروي عن ابن عباس ، ومجاهد بن جبر ، وإبراهيم النخعي ، والحسن البصري ، وغيرهم . وهو معنى يتصل بتعظيم الرّحم ، والنّهي عن قطيعتها .
وقراءة الجمهور أفادت وجوب تقوى اللّه في صلة الأرحام ، وهو أصل من أصول الدين تضافرت في الدلالة عليه الآيات والآثار .
وهل جواز التساؤل بغير اللّه ، والاستعطاف بالآباء والأرحام أمر تكويني أم أمر تكليفي ؟
هامش
( 1 ) ومثل ذلك حديث عمرو بن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول إذا قضى صلاته : « اللهم إني أسألك بحقّ السائلين عليك » . قال الديلمي : عمرو بن عطية العوفي ضعفه الدارقطني . انظر كنز العمال 2 / 642 .
( 2 ) الدّر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 2 / 117 .
( 3 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5 / 3 .