وثمة طرق أخرى للحديث لا تخرج بمجملها عن هذه الدلالة . ولدى التأليف بين الروايات يظهر لك أن القاتل هو المقداد بن عمرو في رواية ، وأسامة بن زيد في رواية ، ومحلم بن جثامة في رواية ، ولا يضر تعدّد الأسماء فقد تتعدد الأسباب ، والنازل واحد .
وكذلك فإن تعدد الروايات في النازل أفادنا مزيدا في التوكيد على حرمة الدماء في الإسلام ، والترهيب من استباحتها بغير حقّها .
قال القرطبي : قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأسامة بن زيد : « أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا » « 1 » .
أي : تنظر أصادق في قوله أم كاذب ، وذلك لا يمكن ، فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه ، وفي هذا من الفقه باب عظيم ، وهو أن الأحكام تناط بالمكان والظواهر ، لا على القطع واطّلاع السرائر « 2 » .
ثمرة الخلاف :
إن اللّه سبحانه جعل استسلام الخصوم وانقيادهم عصمة لدمائهم ، إذا انقادوا لحكم المسلمين ، وهو ما دلّت عليه قراءة نافع ، وابن عامر ، وحمزة .
ويدل على ذلك ما رواه البخاري في الصحيح : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم » « 3 » ، فهاهنا يكون السلم بمعنى الإسلام كما اختاره البخاري ، أو الاستسلام كما نقلناه عن القرطبي .
ولكن الاستسلام والخضوع ، وكذلك الدخول في الإسلام لا يتبين بسهولة ويسر ، وقد يراق دم المرء قبل أن يقدم لقاتله الدليل على انقياده أو إسلامه ، لذلك فقد تكفلت القراءة الثانية بعصمة دم المرء إذا كان مجهول الحال بمجرد أن يقول : ( السلام عليكم ) ، وهو كما ترى احتراز ضروري ، ورحمة إلهية ظاهرة بعباده .
هامش
( 1 ) أخبر القرطبي هنا أن الحديث قد أخرجه مسلم ، ولم أعثر على الحديث في مسلم ، والذي عند مسلم في كتاب التفسير ، باب ( 11 ) ، حديث رقم 2133 ، نفس رواية البخاري المتقدمة ، وليس فيها ذكر القائل ، واللّه أعلم .
( 2 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5 / 339 .
( 3 ) وأخرجه أيضا الإمام مسلم في كتاب الإيمان ، حديث رقم 4 .