تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
أظهره اللّه يوم بدر ، وذلك قوله تعالى :
وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
« 1 » . ويفهم من اختيار ابن العربي هنا أنه ، لا يجعل هذه الآية أول ما نزل في أمر القتال . وقد رجح ابن العربي قراءة الكسر ، مع أنه يقرأ كأهل بلدة قراءة نافع بفتح التاء ، وهذا دليل على حياديته وتجرّده للحقيقة العلمية . وينشأ عن اختلاف القراءات المتواترة في هذه الآية مسألة من أكثر المسائل التي تكلم فيها الفقهاء وهي : تحرير علّة المقاتلة في الإسلام . وقد انقسم الفقهاء في هذه المسألة إلى فريقين ؛ قال الأولون : إن علّة المقاتلة هي ردّ العدوان ، وقال الآخرون : إن علّة المقاتلة هي الكفر ، ولو لم يظهر من الكفار اعتداء . وقد أخذ فقهاء الحنفية والمالكية بالقول الأول ، فيما أخذ الشافعية وغالب الحنابلة بالقول الثاني . وتعريف الجهاد عند عامة الفقهاء يتجه إلى أن علة الجهاد هي نصرة الإسلام ، وهو تعليل يقوي مذهب الحنفية والمالكية . نقل ابن عابدين من متأخري الحنفية تعريف الجهاد بأنه : الدعاء إلى الدين الحق ، وقتال من لم يقبله بالمال والنفس « 2 » . وتعريف الشافعية للجهاد : هو قتال الكفار لنصرة الإسلام « 3 » . وقد قرر جمهور الفقهاء من مالكية ، وحنفية ، وبعض الحنابلة « 4 » ؛ أن مناط القتال هو الحرابة والمقاتلة والاعتداء ، وليس محض الكفر « 5 » ، فلا يقتل شخص لمخالفته للإسلام أو لكفره ، وإنما يقتل لاعتدائه على الإسلام ، فغير المقاتل لا يجوز قتاله ، وإنما يلتزم معه جانب السّلم ، يدلّ
هامش
( 1 ) أحكام القرآن لابن العربي المالكي 3 / 1279 . ( 2 ) حاشية ردّ المحتار على الدّر المختار لابن عابدين 4 / 121 . وانظر الدّر المختار 3 / 238 . ( 3 ) حاشية الشرقاوي 2 / 391 . وانظر آثار الحرب في الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 23 . ( 4 ) اختلفت عن أحمد الرواية ، واختار ابن قدامة أن علة الجهاد هي الكفر كما سيأتي ، وعاد ابن تيمية إلى أن علة الجهاد هي الحرابة ، وعزا القول إلى أحمد . وسيأتي تفصيل ذلك . ( 5 ) واستدلوا بقوله تعالى :لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ.
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 325 | محمد الحبش