تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
الثالث : القراءة بالرفع على أنها ابتداء كلام ، حكم في المسلمين « 1 » . وقد تحدّثنا بالتفصيل عن مذاهب النّحاة في توجيه اختياراتهم « 2 » ، ولم يبق إلا أن نشير إلى أثر القراءة في الحكم الشرعي . قال ابن المنذر : ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام ، حكم في المسلمين « 3 » ، وهذا أصح القولين ، وذلك أنها قراءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ
وكذا ما بعده . والخطاب للمسلمين ، وقد أمروا بهذا « 4 » . فيتعين ثبوت الحكم في حقّ من يرى أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد فيه ناسخ ، وهم الحنابلة والحنفية ، وذلك سواء قرءوا بالرفع أو بالنصب ، على التعليل الذي قدمناه . ولا يتعين ثبوت الحكم في حق من قرأ بالنصب إذا كان لا يرى الأخذ بشرع من قبلنا ، وهم الشافعية ، الذين استدلّوا بقول اللّه عزّ وجلّ :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة : 5 / 48 ] . ولكن كيف يتوجه عندهم تواتر قراءة الرفع ، وهو تواتر ملزم كما علمت ؟ الجواب أنهم يجعلونه عطفا على المعنى كما قدمناه ، فلا يلزمهم حينئذ حكم القصاص ، ويكون فهمهم للآية مغايرا لما أوردناه عن ابن المنذر بقوله : هذا حكم في المسلمين ، غاية الأمر أنهم جعلوا العطف هنا على المعنى ، فاتصلت العبارات من جهة المعنى ، وانفصلت من جهة الاتباع الإعرابي . لكن هذه الحجة التي فصلناها لهم لم ترد في كتب الشافعية ، فهي تخريج على أصولهم ، ولكن لم يجدوا الحاجة للاستدلال بها كونهم لم يخالفوا في مثلية القصاص في عموم قوله سبحانه :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
[ النّحل : 16 / 126 ] ، وقوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 2 / 193 ] . كذلك فإنهم لم ينازعوا فيما حكاه ابن المنذر ، فيمكن القول حينئذ أن الكافة متفقون على
هامش
( 1 ) هذه الوجوه الثلاثة هي خلاصة ما حكاه الطبري والقرطبي من مذاهب السلف . ( 2 ) انظر 642 من هذه الرسالة . ( 3 ) كذا في القرطبي ، وقد أورد الآلوسي العبارة بقوله : أي بيان حكم جديد في المسلمين . ( 4 ) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 / 193 .