أما في التشريع الإسلامي ، فإن الأمر كان أهون من ذلك بكثير ، وما هو إلا أن اطمأنت نفوسهم بالإيمان ، وسكنت إلى اللّه قلوبهم حتى صاروا في مراد اللّه أرغب منهم إلى مرادهم ، ولأمره أطوع منهم لأوامر أنفسهم ، وبعد مرحلة من التدرج الحكيم ، نزلت آية واحدة في القرآن ، قصمت ظهر أم الخبائث إلى الأبد :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
[ المائدة : 5 / 90 ] .
وقد نزلت الآية وإن الرجل قد أدنى كوزه إلى فيه ليشرب منه ، فما يبتلّ منه ريقه ، وإن الدّنان العظام لم توكأ بعد حتى أكفئت في طرقات المدينة ، حتى سارت طرقات المدينة بالخمر ، ولم يعرف منذ ذلك التاريخ ، أي أزمة في المجتمع الإسلامي بسبب الخمر ، ولا أي مطالبة بإلغاء التشريع الذي قضى على تقليد جاهلي كان في نفوسهم وسلوكهم أرسخ من أي تقليد ، حتى إن بابه في الأدب العربي أوسع الأبواب وأغزرها .
إنه الفرق الواضح بين تشريع اللّه وتشريع الإنسان . .
وثمرة الخلاف :
تظهر في المبالغة في التنفير من الخمر والميسر في صورهما كافة ، فدلّت قراءة الكوفيين إلا عاصما على أن فيها إثم كثير من تعطيل العقل ، وهدر الجهد ، وتسلّط الشيطان ، وإثارة العداوة والبغضاء .
ثم وصف هذا الإثم الكثير بأنه كبير لئلا يتوهم الغافل أن إثم هذه الفواحش يدرج في الصغائر ، فجاء النّص على أنها كبيرة من الكبائر ، يلزم منها وصف فاعلها بالفسق .
وقد تذرّع بعض الجهلة فزعموا أن الآية نصّ على وجود منافع في الخمر ، وأن اللّه لا يحرم ما أخبر عن منفعته وفائدته .
ولا شك أن ذلك التفاف خبيث على مقصد الآية التي جاءت أساسا للتنفير من الخمر ، وبيان أن المنافع المادية التي تحصل من تجارة الخمر ، لا تعدل الإثم الكبير الذي يلحقه الخمر بالإيمان والأبدان ، وهو ما صرّحت به الآية ذاتها :
وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
[ البقرة : 2 / 219 ] .