تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
وبعد ذلك كان للأخلاق الدرجة الثانية من الاهتمام ، فنزلت الآيات في فضيلة الصدق والصبر ، والأمانة والوفاء ، حتى إذا اكتمل مجتمع الإسلام ، عقيدة وأخلاقا ، وتوضحت القيم ، والمثل العليا في السلوك ، بدأ تشريع الأحكام ، وذلك مع أول العهد المدني . تمّ ذلك كله والخمرة ما تزال على إباحتها ، يتداولها الصحابة في مجالس أسمارهم من غير حرج ولا نكير ، إلا شيئا بدءوا يجدونه في قلوبهم من الريبة في أمرها ، دفعهم أن يستبينوا أمرها مرة بعد مرة . والحكيم العليم - سبحانه وتعالى - أدرى بنفوس خلقه ، وطبائع عباده . ولا شك أن سلامة الاعتقاد ، وحسن الأخلاق تقود تلقائيا إلى سلامة الطبائع ، فصارت نفوسهم تشعر بالفضائل ، وتتجه نحو الكمالات ، فأصبحت تعرف الرذائل والنقائص ، وتعمل على اجتنابها وتحاشيها ، فبدافع ذاتي بدءوا يشعرون بأن الخمر منقصة ورذيلة ، فصار الناضجون إيمانا منهم ، لا يكتمون شوقهم وتمنيهم لحكم سماوي يحرم الخمر ، بعد أن ظهر تحريمها من نداءات الفطرة السليمة ، التي كشف الإسلام الركام عنها في نفوسهم ، ومن مستلزمات الطباع القويمة التي صقلها الإيمان في أعماقهم . وهذه الآية حلقة في سلسلة من التنزيل تعاقبت لبيان حرمة الخمر ، وإنما استأنى بهم المولى سبحانه لإلفهم ، وعادتهم ، وكلفهم به ، فلو أنه جزم في تحريمه مرة واحدة لشقّ ذلك عليهم ، فكان أول ما نزل من ذلك قول اللّه عزّ وجلّ :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً
[ النّحل : 16 / 67 ] ، فقال بعض الصحابة : لو كانت الخمرة رزقا حسنا لما أفردها اللّه عنه بالذكر . ثم نزل قوله سبحانه :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
[ البقرة : 2 / 219 ] ، فقال بعضهم : يا رسول اللّه ننتفع بها ونشربها « 1 » ، وقال بعضهم : بل نعرض عنها . ثم نزل قول اللّه عزّ وجلّ :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
[ النّساء : 4 / 43 ] ، فشربها من شربها منهم ، وتركها من تركها ، وجعلوا يتّقونها عند الصلاة ، حتى شربها رجل يقال له أبو القموص ، فجعل ينشد شعرا ، يذكر فيه قتلى بدر يرثيهم ،
هامش
( 1 ) جامع البيان للطبري 2 / 212 .