وقال في النّبي والأصحاب هجرا ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجاء فزعا يجرّ بداءه من الفزع ، حتى انتهى إليه ، فلما عاينه الرجل ، رفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا كان بيده ليضربه ، فقال الرجل : أعوذ باللّه من غضب اللّه وغضب رسوله ، واللّه لا أطعمها أبدا ، فأنزل اللّه سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
[ المائدة : 5 / 90 - 91 ] .
فقال عمر بن الخطاب : انتهينا . . انتهينا « 1 » .
وروي في أسباب النزول قصص مشابهة عن حمزة ، وعن علي رضي اللّه عنه ، فاللّه أعلم أي ذلك كان .
وهكذا فإن الآية كانت بمثابة إيحاء للناس بكراهية الخمر والميسر ، وتهيؤ لنفوسهم للابتعاد عنها ، بما تكشف لهم من جوانب الشّر في هذين الوباءين .
فالإسلام بما هو خطاب للإنسان ، بكل غرائزه وميوله وواقعه ؛ كان منسجما مع ذلك كله ، يأمر بما يقتضي الحال ، وبلغ أن يطاع ، حينما أمر بالمستطاع .
فلم يكن تحريم الخمر أمرا سهلا في مجتمع الجاهلية ، الذي لم يكن يفرق بين حاجته إلى الماء وحاجته إلى الخمر ، وفي بلد كان الخمر فيه ثروة قومية أساسية ، ربما أوصل إتلافه إلى كارثة اقتصادية ، وفي مجتمع لم يكن يحسن التفريق بين وحي السماء ، ووحي سدنة الوثن .
فبدأ تحريم الخمر ببناء قدسية وحي السماء في نفوس الناس ، ثم التمهيد لهذا التحريم بحيث أن رؤوس الأموال المرصودة له تتحول تدريجا عنه ، ثم الكشف عن أضراره وأخطاره في البدن والعقل ، حتى صار تحريمه مطلبا اجتماعيا ، يسعى إليه العاقلون .
وهذا هو المقصود بهذه الآية التي جاءت قبل آية التحريم القاطع ، فالخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس ، ولا ريب أن المنافع المقصودة هنا هي تلك الأرباح التجارية التي يجنيها عاصر الخمر ومعتصره ، وهو من حيث الواقع ربح حقيقي مؤكد ، ولكن القرآن لا يترك الأمر على
هامش
( 1 ) جامع البيان تفسير الطبري 2 / 212 .