تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
دلّت قراءة الجمهور أن المطلوب لجريان أحكام التّعاقد أن يشترك في إقراره المتعاقدان ، بقرينة ألف المفاعلة التي هي نتيجة اشتراك إرادتين ، ويشهد له اختيار أبي عبيدة ( عاقده : حالفه ) « 1 » فيما دلّت قراءة أهل الكوفة أن المطلوب هو يمين الغارم دون إقرار الغريم ، بقرينة أن الفاعل هنا هو أيمان المؤمنين وحدها . والجمع بين القراءتين ممكن ، فيكون إعمال القراءتين دليلا على وجوب انعقاد العقد في الحالين ، بالمشاركة أو المبادرة الفردية ، وفي الحالين فإن الوفاء ملزم ، ففي المشاركة لأنها إرادة الفريقين ، وفي المبادرة الفردية لأنها تفترض إقرار المعقود له « 2 » .

فائدة :

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى طبيعة هذا الإخاء العجيب الذي عقده النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم بين الصحابة الكرام ، وحلّ محلّ أخوّة النّسب والدّم ، حتى أصبح الأخ يرث أخاه في الدين دون أرحامه ومواليه ، وهو أمر لا تقدر على فرضه أشدّ القوانين صرامة وحزما ، ولكن شرعه الإسلام وطبّقه حبّا وعدلا وإحسانا . وبمقارنة بسيطة ندرك أي منزلة سامية بوّأها النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه في الحبّ والإيثار .

المسألة الثانية :

قوله تعالى :
وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ
[ الرّوم : 30 / 39 ] . قرأ ابن كثير : ( وما أتيتم من ربا ) من غير مد ، أي ما جئتم . وقرأ الباقون :
وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً
« 3 » ، أي : ما أعطيتم ، من قوله :
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا
أي : أعطاهم . قال عكرمة : هما ربوان : أحدهما حلال والآخر حرام ، فأما الحلال فالرجل يعطي أخاه
هامش
( 1 ) مجاز القرآن لأبي عبيدة ، تحقيق فؤاد سزكين ، ط مؤسسة الرسالة 1 / 125 . ( 2 ) وثمة فائدة هامة أخرى نبّهني إليها أستاذي الدكتور وهبة الزحيلي ، وهي أن قراءة ( عاقدت ) تؤكد قول الفقهاء من ضرورة تعدد العاقد في سائر العقود ، ذلك أن ألف المفاعلة هنا لا يستقيم فهمها إلا مع تصور تعدد العاقدين . وهذا المفهوم من إشارة النّص لا يتعارض مع المنصوص قبلا في عبارته . ( 3 ) تقريب النّشر لابن الجزري 159 ، ولم أجده أشار إليها في الطيبة .