ولا يمكن ذلك إلا باستعمالها في حالين على الوجه الذي بيّنّا ، ولو استعملناها كما يقول المخالف لكان فيها إسقاط إحدى الغايتين لأنه يقول : إنها وإن طهرت وانقطع دمها لم يحل له أن يطأها حتى تغتسل » « 1 » .
وهكذا فإن استدلال الحنفية ماض في إعمال القراءتين جميعا ، على أساس أن الشطر الأول من الآية :
وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ
أفاد معنى تامّا لا حاجة للمزيد عليه ، وهو الجزم بانتفاء التحريم لدى انتهاء الحيض ، على ما بيّناه .
ولكن كيف وجه الحنفية الإطناب الوارد في الشطر الثاني من الآية :
فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
؟
قال الرازي الجصاص : « هو إطلاق من حظر وإباحة ، وليس هو على الوجوب ، كقوله تعالى :
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ
[ الجمعة : 62 / 10 ] ، وقوله :
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
[ المائدة : 5 / 2 ] ، وهو إباحة وردت بعد حظر .
وقوله :
مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والربيع بن أنس :
يعني في الفرج ، وهو الذي أمر بتجنّبه من قبل الطّهر دون الحيض . وقال ابن الحنفية : من قبل النكاح دون الفجور » « 2 » .
فجعل للشطر الآخر فائدة ثانية ، ثم عطف بقوله : « قال أبو بكر : هذا كله مراد اللّه تعالى لأنه مما أمر اللّه به ، فانتظمت الآية جميع ذلك » « 3 » .
وهكذا فإن الحنفية - كما اختار الجصاص - جعلوا سبيل إعمال القراءتين في أن تكون قراءة التخفيف تامة المعنى عند قوله سبحانه :
يَطْهُرْنَ
فقد أفادت
حَتَّى
معنى وافيا في جعل ما قبلها مغايرا لحكم ما بعدها ، وكان ما بعدها منصرفا إلى الدلالة على المنع من إتيانهن في غير ما أذن به اللّه .
هامش
( 1 ) تفسير أحكام القرآن للرازي الجصاص 1 / 351 .
( 2 ) تفسير أحكام القرآن للرازي الجصاص 1 / 350 .
( 3 ) تفسير أحكام القرآن للرازي الجصاص 1 / 351 .