تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
وقيل : إنّ قوله تعالى :
فَإِذا تَطَهَّرْنَ
ابتداء كلام لا إعادة لما تقدّم . ولو كان إعادة لاقتصر على الأول فقال : حتى يطهرن فأتوهن من حيث أمركم اللّه ، خاصّة فلما زاد عليه دلّ على أنّه استئناف حكم آخر . فالجواب أن هذا خلاف الظاهر . فإنّ المعاد الشّرط هو المذكور في الغاية بدليل ذكره بالفاء ، ولو كان غيره لذكره بالواو ، وأما الزيادة عليه فلا تخرجه عن أن يكون بعينه ، ألا ترى أنه لو قال : لا تعط هذا الثوب زيدا حتى يدخل الدار فإذا دخل الدار فأعطه الثوب ومائة درهم لكان هو بعينه ، ولو أراد غيره لقال : لا تعطه حتى يدخل الدار ، فإذا دخل ، وجلس ، فافعل كذا وكذا . هذا طريق النّظم في اللسان . جواب آخر وذلك أن قولهم : إنّا لا نفتقر في تأويلنا إلى إضمار ، وأنتم تفتقرون إلى إضمار . قلنا : لا يقع بمثل هذا ترجيح ، فإن هذا الإضمار من ضرورة الكلام هذا كالمنطوق به » « 1 » . وهكذا فقد أورد ابن العربي جوابين اثنين لما استدلّت به الحنفية ، ثم عطف بجواب ثالث من جهة أن تعدّد القراءة ، وتكرر الاشتراط بلاغة مرادة في القول لا يصحّ اجتزاء المعاني من أحدهما دون استكمال ما أدّت إليه العبارة بمجموعها ، فقال : « جواب ثالث : وهو التعلّق الثاني من الآية ، إنا نقول : نسلم أن قوله تعالى :
حَتَّى يَطْهُرْنَ
معناه : حتى ينقطع دمهنّ ، لكنه لما قال بعد ذلك :
فَإِذا تَطَهَّرْنَ
كان معناه : فإذا اغتسلت بالماء ، فوقف الحكم - وهو جواز الوطء - على الشرطين ، وصار ذلك كقوله تعالى :
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
[ النّساء : 4 / 6 ] ، فعلّق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين : الأول : بلوغ النكاح ، والثاني : إيناس الرّشد ، فوقف عليهما ولم يصح ثبوته بأحدهما . وكذلك في قوله تعالى في المطلّقة ثلاثا :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
[ البقرة : 2 / 230 ] ، ثم جاءت السّنة باشتراط الوطء ، فوقف التّحليل على الأمرين جميعا ، وهما انعقاد النكاح ، ووقوع الوطء » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير أحكام القرآن للقاضي ابن العربي المالكي 1 / 166 . ( 2 ) تفسير أحكام القرآن للقاضي ابن العربي المالكي 1 / 167 .