تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وأما القراءة بالتّشديد فإنها لا تتأتى في اختياره إلا بإسقاط ما أدّت إليه قراءة التخفيف ، إذ لازمها : أن من انقطع دمها - وإن طهرت - لم يحل وطؤها للزوج حتى تغتسل ، وهو عكس ما أدّت إليه قراءة التّخفيف . ولم ينصّ الجصاص « 1 » على ردّ قراءة التّشديد ولكنه جعلها بمنزلة المؤكدة على تحقق الطّهر وانقطاع دم الحيض يقينا ، وهو ما يتمّ عندهم بانقضاء عشرة أيام على دخول الحيضة ، أو مرور عدة أيام مع انقطاع الدم لوقت يتّسع للاغتسال ، وستر العورة ، وأداء الصلاة ، ودخول وقت صلاة آخر ، إذ إن ذلك يرتب أن الصلاة دين في ذمّتها ، فكيف تكون الصلاة دينا في ذمّتها وهي لم تطهر بعد ؟ ولكن هذا كما ترى محض استدلال عقلي لا تقوم به حجة مقنعة في إسقاط الأخذ بالقراءة المتواترة ، وفي هذا الاستدلال إلزام الخصم بما لا يلزمه ، إذ لم يقل مخالفوهم بقولهم هذا في ثبوت الصلاة دينا على من وصفنا حالتها . وقد ردّ الشافعية والمالكية على مذهب الحنفية في هذا الباب بأجوبة كثيرة متجهين إلى أن المولى سبحانه اشترط لإباحة الوطء شرطين اثنين وهما : الطّهر والتّطهّر ، فالطّهر مفهوم من قوله سبحانه :
حَتَّى يَطْهُرْنَ
، والتّطهّر مفهوم من قوله سبحانه :
فَإِذا تَطَهَّرْنَ
. وللقاضي ابن العربي مناقشة مستفيضة في هذه المسألة أطال فيها القول ، وردّ فيها اختيار أبي حنيفة ، وانتصر لرأي مالك ، وعزاه أيضا إلى الزهري ، وربيعة بن فروخ ، والليث بن سعد ، وإسحاق بن راهويه ، وأحمد بن حنبل ، وأبي ثور . وقد اخترت أن أنقل لك هذه المناقشة بطولها لما فيها من بديع الاحتجاج ؛ قال القاضي أبو بكر العربي في تأويل قوله تعالى :
فَإِذا تَطَهَّرْنَ
: قد اختلفت الناس اختلافا متباينا نطيل النفس فيه قليلا وفيه ثلاثة أقوال : الأول : إن معنى قوله تعالى :
حَتَّى يَطْهُرْنَ
حتى ينقطع دمهن . قاله أبو حنيفة ،
هامش
( 1 ) انظر أحكام القرآن للرازي الجصاص 350 ، وتجدر الإشارة أن الرازي الجصاص في الأصل اختار الأخذ بقراءة التخفيف وفق مذهبه ، ولكنه أورد بعد ذلك قراءة التشديد ليدفع بتأويله لها استدلال خصومه .