تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
في ذلك : « إن اللّه تعالى شرط لحلّ الوطء شرطين : انقطاع الدم والغسل ، فالأول : من قوله سبحانه :
حَتَّى يَطْهُرْنَ
أي ينقطع دمهن ، والثاني : من قوله عزّ وجلّ :
فَإِذا تَطَهَّرْنَ
أي اغتسلن بالماء
فَأْتُوهُنَّ
فتصير إباحة وطئها موقوفة على الغسل . وهذا هو رأي الحنابلة أيضا في حرمة الوطء - الجماع « 1 » - . أما الحنفية فقد اختاروا أن الحائض تحلّ لزوجها إذا انقطع دمها بعد استيفاء عادتها ، أما لو انقطع دون استيفاء عادتها فإنها لا تحلّ ، فمن كانت عادتها عشرة أيام لم تحلّ حتى تستوفي العشرة ، ولو انقطع دمها لأربع أو لخمس « 2 » ، ولا مزيد عندهم للحيض فوق عشرة أيام لحديث : « أقلّ الحيض ثلاثة أيام ، وأكثره عشرة » « 3 » . وخلاصة مذهب الحنفية أن المرأة لا تحلّ لزوجها إذا طهرت قبل استيفاء عادتها حتى تغتسل ، فإن استوفت عادتها ، وأدركها وقت صلاة فإنها تحلّ لزوجها ، لثبوت الصلاة دينا في ذمّتها ، والصلاة لا تلزم إلا الخالية من الحيض ، فكان استواؤهما في الحكم قرينة اشتراكهما في تحرير السّبب . ومع ذلك فقد نصّ الحنفية على استحباب الغسل في كل حال قبل الوطء خروجا من الخلاف . وقد انتصر الرازي الجصاص لاختيار الحنفية ، وعقد مقارنة بديعة بين وجوه القراءة المتواترة في هذا الباب ، وجزم بأن إعمال القراءتين يؤدي إلى ما اختاره الحنفية . قال الجصاص : « فإن قيل هلّا كانت القراءتان كالآيتين تستعملان معا في حالة واحدة ؟ قيل له : لو جعلناهما كالآيتين كان ما ذكرناه أولى ، من قبل أنه لو وردت آيتان تقتضي إحداهما انقطاع غاية الدم لإباحة الوطء ، والأخرى تقتضي الغسل غاية لها ، لكان الواجب استعمالهما ، وعلى حالين ، على أن تكون كل واحدة منهما مقرّة على حقيقتها فيما اقتضته من حكم الغاية ،
هامش
( 1 ) الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي 1 / 473 . ( 2 ) ردّ المختار على الدّر المختار 1 / 162 . ( 3 ) رواه الطبراني عن أبي أمامة . انظر كنز العمال رقم ( 26919 ) - 9 / 407 . والمشهور في هذا الحديث أنه موقوف على سفيان الثوري ، انظر أحكام القرآن للرازي الجصاص 1 / 338 .