وأخرى هي صحة الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه توضأ فغسل رجليه ، وأنه رأى رجلا يتوضأ وهو يغسل رجليه فقال : « بهذا أمرت » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويل للأعقاب ، وبطون الأقدام من النار » ، وعن ابن مسعود قال : « خلّلوا الأصابع بالماء لا تلحقها النّار » « 1 » .
وقال عبد الملك : قلت لعطاء : « هل علمت أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مسح على القدمين » ؟ فقال : « واللّه ما أعلمه » . والأخبار كثيرة في هذا المعنى ، قال الزّجاج : الدليل على أن الغسل هو الواجب في الرجل ، وأن المسح لا يجوز تحديد قوله :
إِلَى الْكَعْبَيْنِ
كما جاءت في تحديد اليد
إِلَى الْمَرافِقِ
، ولم يجئ في شيء من المسح تحديد ، قال :
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
بغير تحديد في القرآن ، قال : ويجوز أن يقرأ ( وأرجلكم ) على معنى ( واغسلوا ) لأن قوله :
إِلَى الْكَعْبَيْنِ
دلّ على ذلك كما وصفنا ، وينسق بالغسل على المسح كما قال الشاعر :
يا ليت بعلك قد غدا * متقلّدا سيفا ورمحا
والمعنى : متقلّدا سيفا ، وحاملا رمحا .
وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، وأبو بكر : ( وأرجلكم ) خفضا ، عطفا على الرؤوس ، وحجتهم في ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال : « الوضوء غسلتان ومسحتان » . وقال الشعبي :
نزل جبرائيل بالمسح ، ألا ترى أنه أهمل ما كان مسحا ، ومسح ما كان غسلا في التّيمم .
والصواب من القول ما عليه فقهاء الأمصار ؛ أن الغسل هو الواجب في الرجلين ، ويجوز أن يكون قوله : ( وأرجلكم ) بالخفض حملت على العامل الأقرب للجوار ، وهي في المعنى الأول ؛ كما يقال : ( هذا جحر ضبّ خرب ) فيحمل على الأقرب ، وهو في المعنى الأول .
قال الفرّاء : وقد يعطف بالاسم على الاسم ومعناه يختلف كما قال عزّ وجلّ :
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ
[ الواقعة : 56 / 17 - 18 ] . ثم قال :
وَحُورٌ عِينٌ
وهن لا يطاف بهن على أزواجهن « 2 »
هامش
( 1 ) أخرجه سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : اجتمع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على غسل القدمين . انظر الدّر المنثور 2 / 263 .
( 2 ) حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة ، ط مؤسسة الرسالة 222 . وانظر سراج القاري لابن القاصح العذري ، ط البابي الحلبي 198 . وعبارة الشاطبي :. . . . . . . . . * وأرجلكم بالنصب عم رضا علا