تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١

المسألة العاشرة :

قوله تعالى :
وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
[ الحديد : 57 / 23 ] . قرأ أبو عمرو البصري : ( ولا تفرحوا بما أتاكم ) . وقرأ الباقون :
وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
« 1 » . فدلّت قراءة أبي عمرو على النّهي عن الفرح بما أتاكم - أي : جاءكم - وهو اسم جامع لكل ما قد يأتيك من المولى سبحانه من صنوف النعم المبهجة ، وقد ورد الفرح في القرآن الكريم ممدوحا ، وورد مذموما ، فمما أخبر المولى به بصيغة المدح قوله سبحانه :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
[ يونس : 10 / 58 ] . ومما أخبر به المولى بصيغة الذّم قول قوم قارون :
إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
[ القصص : 28 / 76 ] . ثم صرّحت قراءة الباقين بأن على المؤمن أن لا يفرح فرحا مبهجا مطغيا ينسيه واجب الشكر للّه سبحانه وتعالى ، مع يقينه بأن هذا الآتي من النعيم إنما هو عطية من اللّه سبحانه وتعالى .

وثمرة الخلاف :

تظهر في أننا نهينا عن الفرح بما يأتينا من المسرّات فرحا يشغلنا عن الخلاق سبحانه ، وهو ما دلّت له قراءة أبي عمرو ، وأفادت قراءة الباقين أن هذا النّهي عن الفرح يجب أن يدفعنا إلى التّوهّم أن هذه الأرزاق من رازق غيره سبحانه ، بل يجب العلم بأنه سبحانه هو الرزاق وحده ، ومع ذلك فينبغي أن لا نفرح فرحا مطغيا لا نؤدي معه واجب الشكر . هذا ما أفاده اختلاف القرّاء في تحقيق المعاني ، وأما دلالة الآية بجملتها ؛ فأكثر المفسرين على أن النّهي والفرح المنهي عنهما إنما يقتصران على ما كان من أعراض الدنيا الزائلة ، وأما ما كان من رحمة اللّه ، وقبوله ، ومغفرته ، فإنه يستوجب الفرح ، وما كان من سخط اللّه وغضبه فإنه يستلزم الحزن ، وفي الحديث : « إذا سرّتك حسنتك ، وساءتك سيئتك فأنت مؤمن » « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده 5 / 251 عن أبي أمامة من طريق زيد بن سلام عن جده ، ورواته ثقات . وأخرجه أيضا الطبراني والحاكم والضياء عن أبي أمامة ، انظر كنز العمال 1 / ( 699 ) . ( 2 ) رواه الإمام أحمد في المسند 5 / 251 عن أبي أمامة الباهلي .