وقال ابن الأنباري : لما تأخرت الأرجل بعد الرؤوس نسقت عليها للقرب والجوار « 1 » .
وقد أخذت عامة الشيعة بأن الآية نصّ في أن الواجب المسح لا الغسل ، وحجتهم في ذلك قراءة الكسر ، وهي كما علمت متواترة ، وتوجيهها إلى المسح معقول .
ولكن ما ذا صنع القوم بقراءة النّصب وهي أيضا متواترة ، وهي قراءة عاصم برواية حفص ، وعامة الشيعة يلتزمونها اليوم ؟
وجّه الشّيعة استدلالهم إلى أن قراءة النّصب أيضا تفيد المسح لا الغسل ، وأن فعل : مسح ، قد يتعدى بالباء وقد يتعدى بدون باء ، فكأن تقدير العبارة : وامسحوا رءوسكم وأرجلكم ، فلحقت الباء بالرءوس للإشارة إلى تبعيض المسح ، وبقيت الأرجل على النّصب وهو الأصل ، وهذه عبارة المفسّر الشيعي الطباطبائي : « وقرئ : وأرجلكم بالنّصب ، وأنت إذا تلقّيت الكلام مخلّى الذهن غير مشوب الفهم لم يلبث أن تقضي أن
أَرْجُلَكُمْ
منصوب على موضع
رُؤُسَكُمْ
وهو النصب - أي : بنزع الخافض - وفهمت من الكلام وجوب غسل الوجه واليدين ، ومسح الرأس والرجلين ، ولم يخطر ببالك أن ترد
أَرْجُلَكُمْ
إلى
وُجُوهَكُمْ
في أول الآية مع انقطاع الحكم في قوله :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
بحكم آخر ، وهو قوله :
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
فإن الطبع السليم يأبى حمل الكلام البليغ على ذلك ، وكيف يرضى طبع متكلم بليغ أن يقول مثلا : قبلت وجه زيد ورأسه ، ومسحت بكتفه ويده ، بنصب يد عطفا على وجه زيد ، مع انقطاع الكلام الأول ، وصلاحية قوله : ( يده ) لأن يعطف على محل المجرور المتّصل به ، وهو أمر جائز دائر ، كثير الورود في كلامهم » « 2 » .
ثم عطف الطباطبائي بالرّد على استدلال أهل السّنة والجماعة في قولهم : إن قراءة الجرّ وردت على سبيل العطف في اللفظ دون المعنى ، وذلك كما ورد في شعر العرب علفتها تبنا ، وماء باردا ، فقال : « وفيه أن مرجعه إلى تقدير فعل يعمل عملا يوافق إعراب حال العطف ، كما يدل عليه ما استشهد به من الشعر ، وهذا المقدر في الآية إما
فَاغْسِلُوا
وهو يتعدى بنفسه لا بحرف الجرّ ، وإما غيره وهو خلاف ظاهر لا دليل عليه من جهة اللفظ البتة ، وأيضا ما استشهد به من الشعر إما من قبيل المجاز العقلي ، وإما بتضمين علفت معنى أعطيت ، وأشبعت ، ونحوهما .
هامش
( 1 ) انظر تفسير آيات الأحكام للصابوني ، ط مؤسسة الغزالي 1 / 536 .
( 2 ) تفسير الميزان 5 / 224 .