تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
وهكذا فإن التواتر المتحقّق في القراءتين يلزم المسلم أن يعتقد بخروج الدّابة وأن يعتقد بكلامها المذكور في الآية « 1 » . وثمة قراءة شاذة منقولة عن بعض السّلف وهي : ( دابة من الأرض تكلمهم ) « 2 » أي تجرحهم ، وهي شاذة أريد بها نفي صفة الكلام عن الدّابة ، وهو خطأ في العقيدة ؛ إذ يلزم الاعتقاد أنها تتكلّم كما دلّت له القراءة المتواترة .

المسألة الثامنة :

قوله تعالى :
لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ
[ الصّافات : 37 / 8 ] . قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص :
لا يَسَّمَّعُونَ
بالتشديد . وقرأ الباقون بالتّخفيف ، وحجّتهم ما روي عن ابن عباس أنه قرأ : ( لا يسمعون ) ، وقال : ( هم يسّمّعون ولكن لا يسمعون ) [ والدّليل ] على صحة قول ابن عباس أنهم ( يسّمّعون ، ولكن
هامش
من جبل أجياد ، ابن عباس . انظر في استقصاء أقوالهم : الدّر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 4 / 105 . وكما رأيت فإن جملة الأقوال في مخرج الدّابة لا تبعد عن الحجاز ، ولم أشأ الخوض في حجة كل قائل إذ ليس ذلك من شرط هذه الدراسة . ( 1 ) ولا يخرج من هذا الإجماع إلا رأي هزيل لبعض غلاة الشيعة ، وهو أن الدّابة هي علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وقد روي هذا القول عن عدد من مفسّري الشيعة منهم القمي في تفسيره 2 / 130 ، ومنهم شرف الدين الأسترآباذي الغروي في كتابه تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة ، ط مؤسسة النشر الإسلامي عام 1409 ه في ص 401 ، وقد استقصى فيه تسع روايات عن أئمة الشيعة في إثبات توجيه دلالة الآية إلى الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وكرّم اللّه وجهه ، ولكن بعض التأمل في المنهج القرآني في ذكر الصالحين يدفع هذا الوهم الزائغ ؛ إذ شأن العالم الفاضل المرشد أن يسمى إنسانا ، ويكرم بلقب إمام ، أو عالم ، أو عارف ، ولا يسميه : دابّة إلا من لا علم له ، ولا أدب عنده . قال القرطبي : وهذا خروج عن عادة الفصحاء ، وعن تعظيم العلماء ، وليس ذلك دأب العقلاء . واعتقاد علماء الشيعة في هذه المسألة موافق لمختار الجمهور من الفقهاء والمفسرين ، وقد نقله عنهم صاحب التفسير المبين بقوله : ما بين سبحانه حقيقة هذه الدّابة في كتابه ، ولا ثبت ذلك عندنا في سنّة نبيّه الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يسوغ الكلام بغير علم ، فلم يبق إلا الوقوف عند ظاهر الآية الذي يدلّ على أن اللّه سبحانه يخرج من الأرض عند النشر مخلوقا يعلن أن ما من أحد جحد باللّه إلا مع قيام البينات ، والآيات الواضحات على وجوده تعالى ، نقول هذا في تفسير هذه الدّابة ، ونسكت عما سكت اللّه عنه . انظر التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية 441 ، وانظر القرطبي الجامع لأحكام القرآن 3 / 235 . ( 2 ) نقل هذا القول الطبري في الجامع 13 / 238 ، والزمخشري في الكشّاف 3 / 160 .