تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
فقد نفى سمعهم من جهة التّسمع ، ومن جهة غيره ، فهو أبلغ « 1 » ، وهو ما تدلّ له قاعدة : ( زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى ) ، فاشتمل نفي التّسمّع على نفي السماع ، وزاد عليه نفي القدرة على السماع ومحاولته .

وثمرة الخلاف :

أن اعتقاد المؤمن بوجود الجن ؛ لا يجوز أن يحمله على اعتقاد أن الجنّ تعلم من الغيب شيئا ، فقد أخبر اللّه عزّ وجلّ بصريح النّص أنّ الجن لا يسمعون من خبر الملأ الأعلى شيئا ، وهو ما دلّت له قراءة الجمهور . وجاءت قراءة حمزة ، والكسائي ، وحفص بنفي الاستماع فضلا عن السمع
لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى
[ الصّافات : 37 / 8 ] ، ومقتضى القراءتين وجوب اعتقاد المسلم بنفي معرفة الغيب عن الجن كما الإنس ، إلا من ارتضى من رسول ،
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
[ الجن : 72 / 26 - 27 ] . وهذا المعنى هو المنصوص عليه في سورة سبأ :
فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ
[ سبأ : 34 / 14 ] . ومجمل اعتقاد أهل السّنة والجماعة في أمر الجنّ أنهم خلق من خلق اللّه كالملائكة ، لا نعرف من حقيقتهم إلا ما جاءنا عن طريق الخبر الصادق ، أي عن طريق كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد جاءت النصوص ببيان بعض أوصافهم ، ومنها : أولا : أنهم صنف غير صنف الملائكة ، مخلوقون من مارج من نار . قال تعالى :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ
[ الرّحمن : 55 / 14 - 15 ] . ثانيا : أنهم مخلوقون قبل الإنس ، ودليل ذلك قوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ
[ الحجر : 15 / 26 - 27 ] . ثالثا : أنهم لهم ذريّة ، قال اللّه تعالى :
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
[ الكهف : 18 / 50 ] .
هامش
( 1 ) انظر الحاشية السابقة .