تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
أن نتخذ من دونك أولياء ، وبمثل هذا القول قال أبو عبيدة ، وعيسى بن عمر ، وقد قال بردّ هذه القراءة في اللغة الإمام القرطبي في الجامع في نقل عزاه إلى النحاس يطول نقله ، ومثل له بقولك : ما اتّخذت رجلا وليّا « 1 » ، وقولك : ما اتّخذت من رجل وليّا . وهو يشبه ما قدمته لك من اختيار الزمخشري ؛ إذ لا يحسن أن تقول : ما اتّخذت من رجل من ولي .

وثمرة الخلاف :

أن المعبودات من دون اللّه من أنبياء وصالحين ، وكذلك من أحجار ، ونجوم ، وأشجار إنما هي موحدة للّه عزّ وجلّ ، على الفطرة التي فطر اللّه عليها الخلق ، إلا ما يكون من أمر الطواغيت والشياطين ، الذين يدعون الناس إلى عباداتهم ، كما قال اللّه سبحانه حكاية عن فرعون :
فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
. وعليه فإن الآية دلّت على أمرين اثنين : الأول : أن الكائنات جميعا في الأصل موحدة ، ما ينبغي أن تتخذ من دون اللّه من أولياء ، وهو ما دلّت له قراءة الجمهور . الثاني : أن بعض المخلوقات عبدت من دون اللّه على غير إرادة منها ، فهي موحدة طائعة ، لا تحمل إثم عبّادها وزيغهم إذا أقرّت بين يدي اللّه بالتوحيد ، كما عبد بعض الكفرة عيسى بن مريم ، وعبد بعضهم عزيرا ، وكلاهما نبيّ كريم ، لا يضرّه وزر عابديه ، إذ كان قد سبق منهم دعوتهم إلى عقيدة التوحيد ، وهذا المعنى دلّت له قراءة أبي جعفر . وكنت أحبّ في هذا الباب أن أقف على رأي للإمام اللغوي الحجة أبي زرعة فإن من عاداته أن يبسط القول في مثل هذه المسائل ، ولكنه يلتزم في كتابه الحجة الانتصار للسبعة ، وليس منهم أبو جعفر ، لذلك فإنني لم أقف على نقل لأبي زرعة في هذا المقام . ومع ذلك فإنه لا يخفى أن اعتراض بعضهم على قراءة أبي جعفر محمول على عدم ثبوت تواترها عندهم ، ولو ثبت عندهم التواتر لم تكن لهم مندوحة من قبول ذلك في اللغة والاستنباط .
هامش
( 1 ) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3 / 10 .
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 214 | محمد الحبش