وأخرج الترمذي في جامعه في كتاب التفسير سورة المائدة : ( فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح ، فقال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : من هذا ؟ فقالوا : سعد ، وحذيفة جئنا نحرسك يا رسول اللّه ، فنام صلّى اللّه عليه وسلّم حتى سمعت غطيطه ، ونزلت هذه الآية :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
، فأخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأسه من قبة أدم ، وقال : « انصرفوا أيها الناس ؛ فقد عصمني اللّه » « 1 » . فأنت ترى أنه صرف الحرس على رغم حاجته إليهم لمجرد أنه تلقى من اللّه وعدا بالعصمة ، فقد كان يقينه بعصمة اللّه أعظم من ثقته بعصمة الناس .
وهذه المعاني كما ترى مجتمعة في قوله سبحانه :
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
.
المسألة السابعة عشر :
قوله تعالى :
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ
[ الانشقاق : 84 / 19 ] .
قرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف « 2 » : ( لتركبنّ طبقا ) بفتح الباء ، أي : لتركبن يا محمد حالا بعد حال . يذكر حالات النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم من يوم أوحي إليه إلى يوم قبضه اللّه ، وقد روي أيضا : « لتركبن يا محمد سماء بعد سماء » يعني في المعارج .
وقال آخرون منهم ابن عباس : « لتركبن أي لتصيرن الأمور حالا بعد حال بتغيرها ، واختلاف الأزمان » يعني الشدة « 3 » . ف ( الأمور ) فاعلة وتكون التاء لتأنيث الجمع .
وقال آخرون منهم ابن مسعود : إنه قرأ ( لتركبنّ ) - أي السماء - حالا بعد حال ، تكون وردة كالدهان ، وتكون كالمهل في اختلاف هيأتها . فتكون التاء لتأنيث السماء .
وقرأ الباقون :
لَتَرْكَبُنَّ
برفع الباء . وحجتهم في ذلك أنه يخاطب الناس في ذلك ، لأنه ذكر من يؤتى كتابه بيمينه وبشماله ، ثم ذكر ركوبهم طبقا عن طبق ، ثم قال :
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
المعنى : لتركبن حالا بعد حال من إحياء ، وإماتة ، وبعث حتى تصيروا إلى اللّه .
هامش
( 1 ) انظر الجامع الصحيح للترمذي 5 / 4 .
( 2 ) سراج القاري 382 . وعبارة الشاطبي :. . . . . . . . . * وبا تركبن اضمم حبا عمّ نهلاوأضاف ابن الجزري أن خلقا قرأ بفتح الباء أيضا ذلك في تقريب النّشر 187 .
( 3 ) انظر الدّر المنثور في التفسير بالمأثور 330 .