تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
وهذه المعاني التي دلّت لها الآية من أصول العقيدة يدلّ لها النقل ، ويدلّ لها العقل في مواطن كثيرة ، وتزيده هذه الآية توكيدا على توكيد . وفي التّنزيل :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
[ الكهف : 18 / 107 ] . وقد أدّى النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما أوحي إليه فلم يضنّ بشيء ، وكان في بعض ما أدّاه عتب عليه شديد ، ولو كان له أن يبدله من تلقاء نفسه لكتم ذلك ، وقد قالت السيدة عائشة رضي اللّه عنها : لو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية :
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
[ الأحزاب : 33 / 37 ] . وكذلك قوله تعالى :
عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى * وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى
[ عبس : 80 / 1 - 10 ] . وكذلك قوله تعالى :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
[ الأنفال : 8 / 67 - 68 ] . وكذلك قوله سبحانه :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ
[ الحاقّة : 69 / 44 - 47 ] . فهذه الآيات ونظائرها تضمّنت عتبا شديدا على النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولو كان له أن يضنّ بشيء من الوحي لضنّ بهذا . وأما باب الظّن فقد رزقه اللّه سبحانه من اليقين ما لم يؤته أحد ، وبحسبك أنه بشّر سراقة بن مالك بن جعشم بسواري كسرى وتاجه وهو طريد خائف ، يخاف أن يتخطّفه الناس ، وبشّر المسلمين بكنوز كسرى وقيصر يوم الخندق ، وإن المشركين ليطوقون المدينة كما يطوق السوار المعصم ، والمنافقون بداخل المدينة يغلون بالنّفاق ويقولون :
ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً
[ الأحزاب : 23 / 12 ] ، واليهود يغدرون من الخلف ويكيدون للإسلام والمسلمين .