مكة قبل الهجرة وموسم الحج على الأبواب :
في مثل هذا الوقت من كل عام تتهيأ المدينة المقدسة لاستقبال ضيوفها الكرام . . .
وفود الحجيج الذين سيصعدون إليها آتين من كل صوب ليطوفوا بالبيت العتيق وينحرون الذبائح قربانا للآلهة التي تحيط بالكعبة تماثيلها كما تلتف الوصيفات والفتيات حول العروس الجميلة في ليلة عرسها .
وفي مثل هذا الوقت من كل عام يستعد كبار التجار لعقد الصفقات العظيمة وينتظر أصحاب الحانات وصناع الخمور والأصنام وبائعات « الهوى » أيام الرواج حيث تمتلئ الحانات وتجرى الخمور كالأنهار وتطول ليالي اللهو ويشرب الجميع من كئوس اللذة المترعة حتى الثمالة .
في مثل هذا الوقت من كل عام ينتظر « الشعراء » الباحثون عن الشهرة والمال على أحر من الجمر يشتهون أن يلقوا بقصائدهم في أسماع الوفود التي جاءت من كل أرجاء العرب لعل أشعارهم تلقى قبولا فتحملها القوافل إلى كل مكان ينطق فيه الإنسان بهذه اللغة الرائعة التي يقدسها أهلها ويعدونها بحق أعظم وأنفس ما يملكون .
كان حريا بأهل مكة أن يبتهجوا بقدوم الموسم وألا يعكر صفو سرورهم شئ لولا « هذا » الرجل الذي يدعى أن اللّه قد بعثه رسولا إليهم وأنه يكلمه كلاما عجيبا لم تسمع العرب مثله من قبل فحارت قلوبهم وطاشت أفئدتهم في وصفه فقالوا إنه شعر ووصموه بالسحر أو الكهانة ولم يستقروا على شئ في شأنه .
لقد استطاع أن يجذب إليه يوما بعد يوم الأنصار فصار المؤمنون به يزيدون ولا ينقصون رغم التعذيب والقسوة والاضطهاد وتفاقم أمره فلم يعد الإيمان يقتصر على الأرقاء والفقراء الذين رأوا فيه منقذا رحيما بل تعدى الأمر إلى السادة والأشراف والأثرياء من أمثال أبى بكر وعثمان بن عفان بل ها هو حمزة بن عبد المطلب ابن سيد قريش يعلن إسلامه وسرت أنباء « رجل قريش » وقرآنه العجيب في القبائل سريان النار في الهشيم توشك أن تأكل كل شئ في بنيان ذلك المجتمع القديم .
غدا يأتي العرب من كل مكان يتساءلون عن هذا الرجل الذي سفه أحلامكم وعاب آلهتكم وأوشك أن يجعلكم أضحوكة بين القبائل بعد أن كنتم سادة العرب تستمدون مهابتكم وعزكم من مهابة وعزة البيت المحرم الذي بناه إبراهيم وإسماعيل أبو العرب .
« يا معشر قريش ما ذا ستقولون لهم وكيف تصدونهم عنه قبل أن يطويهم في سلطانه الذي لا يقاوم ؟ ! » .