الشعور الديني ليدخل على القرآن ما ليس منه البتة . وإن القرآن ليتميز بهذا عن سائر الكتب الدينية المهمة في العصور القديمة . وإنه لشيء مستغرق بالغرابة أن شخصا أمينا لا يستطيع أن يقرأ أو يكتب يمكنه أن يكتب أعظم كتاب في اللغة الإنسانية " .
ويؤكد ما سبق " هاريجاي لوردمان " في كتابه " نحو فهم صحيح للإسلام " - نيويورك - 1948 ص 3 : " إن المعلومات الصحيحة في القرآن والنبوءات الصادقة التي يحتوي عليها بما لا يدع مجالا للشك أن محمدا لم يكن ليتوصل إليها نفسه . ولو كان القرآن من وضع محمد لاستطاع غيره من البشر أن ينافسه في ذلك وهو شيء لم يحدث " « 1 » إذا تأملنا هذه الآيات وغيرها كثير مما هو مثلها ، من حيث الموضوع والغاية ، وقسمناها إلى مجموعات بحسب موضوعاتها نلاحظ أنها تأتى أحيانا إما مسبوقة بعبارات تمهيدية كما في سورة النحل ( 47 ، 65 ، 67 ) ؛ أو تختم بسلسلة من الآيات ، وربما تواردت عدة آيات قرآنية على وصف معجزة كونية واحدة بالدعوة إلى التفكر والتدبر كما في ( سورة النحل مثلا الآيتين 10 ، 13 ) وقد تأتى على هذه الأنحاء :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( 11 ) ( النحل : 11 ) ، أو
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
( 13 ) ( النحل : 13 ) ، وأحيانا تبدأ بصيغة " أفلم " كقوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ
( 6 ) ( ق : 6 ) ، وكلمة " آية " ترد بمعنى آية قرآنية وآية كونية ، وقد بينا معنى اللفظة بالمفهوم الأول في قرينة حديثنا عن القرآن ، والآية هنا بمعنى الظاهرة أو الخلق العجيب أو الصنع الإلهى المعجز ، فالقرآن معجز بآياته من حيث المعاني والكلمات ، والكون معجز بظواهره الطبيعية وأسراره الكونية من حيث التسوية والإيجاد إن القرآن في أصل تركيبه معجز باهر وفي ما تنطوى عليه آياته معجزات كثيرة ذاخرة ومتجددة . وقد درس العلماء المسلمون الأوائل موضوع الإعجاز العلمي في هذا الكتاب المبين فركزوا أولا على جانب الإعجاز اللغوي ، وقد أبدع في هذا الجانب المفسرون ، والبلاغيون كالباقلانى والجرجاني والزمخشري ، وبمضي الأيام والسنين ، وعكوف المسلمين على دراسة القرآن ، والتمعن في أسراره تكشفت لهم وجوه جديدة من الإعجاز حتى أن أبا بكر بن العربي يرى أن في القرآن معجزات بعدد آياته مضروبة في
هامش
( 1 )Islam , An Introduction . Begum Aisha Bawany Wakf , Karachi Bakistan.