تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
والاكتشاف ؛ وهو مما تميز به القرآن الكريم عن جميع الكتب المقدسة في العالم . ولم يلفت نظره كذلك تلك الحقائق العلمية الباهرة التي جاءت في القرآن ، وعرفها المسلمون إجمالا ، أو على سبيل التعريف ، وذلك قبل أن يتوصل إليها العلماء المحدثون منذ وقت يعدّ بالعقود ، وليس بالقرون ، على سبيل المثال المراحل التي يمر بها الحيوان المنوي من النطفة ، إلى المضغة ، إلى العلقة ، إلى تكوين العظام ، إلى كسوة العظام لحما ، ثم نفخ الروح فيه ، وطروء الحياة عليه ، وانفصال الأرض عن السماء ، ووصف السماء بأنها ذات الرجع ، والأرض بأنها ذات الصدع ، يعني التشققات التي تكون تحت مياه المحيطات والبحار وتمتد بعشرات ، بل بمئات الآلاف من الأمتار ، ويصل عمقها إلى مسافة تتراوح ما بين الستين إلى المائة والخمسين من الكيلومترات ، وكيف تتصل هذه الصدوع بعضها ببعض برغم تباعدها وتشابكها ، وكأنها صدع واحد متمدد ومنتشر ؛ ولذلك عبر عنها اللّه تعالى بالمفرد ( الصدع ) ولم يقل " والأرض ذات الصدوع " ولولا هذه الصدوع لما صلحت الحياة على الأرض ولما ثبتت الكرة الأرضية . هذه الحقائق العلمية التي جاء بها القرآن لأكبر برهان ، وأدمغ حجة على صدق النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى أن القرآن كتاب اللّه تعالى ، إذ كيف يتأتى لمحمد أو لأي بشر في زمانه ، بل وبعد زمانه ، أن يظهر هذه الحقائق العلمية الباهرة التي احتاجت من الإنسان أن يدرس ويتعلم ويجرب ويخترع الآلات وينفق الأموال الطائلة لكي يصل إلى اكتشافها ؛ ونضيف أن القرآن لو كان من صنع محمد لاستطاع من هو مثله أو من هو قريب منه أن يأتي بمثل هذا القرآن ؛ وهذا لم يحدث البتة ، وانطلاقا من الحقائق القرآنية ، والأوامر الإلهية بالنظر والتدبر في الملكوتات في عالم المادة وفي عالم الروح ، انطلق المسلمون إلى التعلم وإلى النظر حتى ساروا أئمة في العلوم الدينية والعلوم الإنسانية وفي العلوم التطبيقية ، سواء بسواء ، لم يكتفوا بعلومهم بل رحلوا إلى مختلفة البقاع لتحصيل علوم الأمم الأخرى ، كما استجلب خلفاؤهم المخطوطات المختلفة في سائر العلوم وفي الفلسفة وفي غير ذلك . وقد أعطى المسلمون للعالم في جميع صنوف المعرفة أضعاف ما أخذوه من بعض الأمم ؛ وهذه الحقيقة عادت اليوم من المسلّمات بين علماء الشرق والغرب ؛ فعلى سبيل المثال ، يقول " جوستاف لوبون " الذي ألف كتابا كبير الحجم بعنوان " حضارة العرب "
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي — صفحة 319 | محمد محمد أبو ليلة