انتهت إليه رئاسة الإماميّة في وقته ، وكان مقدّما في العلم وصناعة الكلام ، وكان فقيها متقدّما فيه ، حسن الخاطر ، دقيق الفطنة ، حاضر الجواب ، وله قريب من مائتي مصنف كبار وصغار ، وفهرست كتبه معروف ، وتوفّي لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 413 ه ، وكان يوم وفاته يوما لم ير أعظم منه من كثرة الناس الذين حضروا للصلاة عليه ، وكثرة البكاء من المخالف والموافق « 1 » .
ثم عدّ الشيخ الطوسي بعض كتبه ، وذكر قراءتها عليه وسماعها عنه .
وقد تتلمذ شيخنا الطوسي على يد أستاذه المفيد لمدّة خمس سنوات ، ابتدأها منذ أوّل نزوله بغداد عام 408 ه ، ولم ينقطع عنه حتّى وفاته عام 413 ه ، وكان خلال هذه الفترة قد درس الأصول والكلام « 2 » ، كما وأنّه شرع بالتأليف منذ ذلك الوقت المبكر ، حيث شرح كتاب أستاذه المفيد ، والمسمّى بكتاب المقنعة ، وقد سمّى كتابه ب تهذيب الأحكام والذي ضمّنه الأدلّة الفقهيّة والأحاديث ، وردّ الشبه المثارة حول العقيدة والأحاديث المرويّة عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام ، وقد ظهر تأثّر الشيخ الطوسي بأستاذه المفيد واضحا في هذا الكتاب الذي أصبح فيما بعد أحد الأصول الأربعة التي يرجع إليها المجتهدون من الإماميّة عند استنباطهم للأحكام الشرعيّة .
ومعلوم أنّ الشيخ الطوسي كان قد استفاد كثيرا من علوم أستاذه المفيد ، خاصّة إذا علمنا أنّ مجلسه كان يحضره جماعة من العلماء من مختلف المذاهب الإسلاميّة « 3 » .
ومن الطبيعي أنّ الاحتكاك بمثل هؤلاء العلماء من شأنه أن يمنح الشيخ الطوسي فرصة أكبر في الاستزادة ممّا عند الآخرين ، ويوفّر له الكثير من المجالات في معرفة أفكارهم وآرائهم ومذاهبهم ، خاصّة وإنّ تلك الفترة كانت من أخصب الفترات التاريخيّة التي مرّت بها الحياة الفكريّة بسبب توفّر الحريّة واستتباب الأمن والهدوء إبّانها ممّا طبع شخصية مفسّرنا الثقافية والعلميّة بطابع الشمول والعمق والموسوعيّة .
هامش
( 1 ) . بحر العلوم ، مقدمة أمالي الطوسي ، ج 1 ، ص 6 .
( 2 ) السبكي ، طبقات الشافعيّة ، ج 4 ، ص 127 .
( 3 ) . ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج 12 ، ص 15 .