إنّ العرف في مذهب أصحابنا والشائع من أخبارهم ورواياتهم أنّ القرآن نزل بحرف واحد ، على نبيّ واحد ، غير أنّهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء وأنّ الإنسان مخيّر بأي قراءة شاء قرأ . وكرهوا تجويد قراءة بعينها ، بل أجازوا القراءة بالمجاز الذي يجوز بين القرّاء ، ولم يبلغوا بذلك حدّ التحريم والحظر « 1 » .
ومن ثمّ يردف مرجّحا لهذا الرأي فيقول :
الوجه الأخير أصلح الوجوه على ما روي عنهم عليهم السّلام من جواز القراءة بما اختلف القرّاء فيه « 2 » .
ولكن تبنّي الشيخ الطوسي لهذا الرأي لا يعني أنّه قد غضّ الطرف عن كلّ ما قاله القرّاء وإنّما كان - وفق نزعته التحقيقيّة - لا يقبل أقوالهم إلّا بعد النظر والتدقيق ، فيمحّص آراءهم ويضعّف بعضها ويردّ على البعض الآخر ، ومن ذلك ما ورد في تفسيره لقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
.
فقال مفسّرنا : « لا يمد القرّاء الألف من " ما " إلّا حمزة فإنّه مدّها » . ثم يقول :
« وقد لحن في ذلك » « 3 » .
كما نجد الطوسي يخطّئ قراءة أبي وعبد اللّه في معرض تفسيره لقوله تعالى :
وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ
« 4 » . فيقول :
« واعتلّوا أنّ في قراءة أبي : وما تسئل وفي قراءة عبد اللّه : ولن تسئل » فقال الطوسي :
مفنّدا : « وهذا غير صحيح » « 5 » .
وقد أظهر الشيخ الطوسي اهتماما كبيرا في موضوع القراءات عند تفسيره للآيات القرآنيّة إذ قلّما يذكر آية ولا يذكر ما قيل فيها من آراء القرّاء ، وقد أورد الطوسي جملة من
هامش
( 1 ) . انظر التبيان ، ج 1 ، ص 9 .
( 2 ) نفس المصدر .
( 3 ) . انظر التبيان ، ج 1 ، ص 58 .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) الآية 120 .
( 5 ) . انظر التبيان ، ج 1 ، ص 437 .