تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
وفي سياق كلامه في القسم البلاغي : « الاستعارة تصريحية في قوله :
« وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ »
، فالكلمة مجاز عن علمه تعالى أو ملكه وتصوير صحيح لعظمته ، حذف المشبه وهو العلم والقدرة والعظمة وما يترتب على الجلوس فوق كرسي الملك من معاني الأبّهة والإحاطة الجامعة » « 1 » . ونقل محيي الدين درويش قول ابن قتيبة في كتابه « مشكل القرآن » أن هذا يخالف نصوص اللغة . ورد على المعتزلة في آرائهم ، قال ما نصه : « وفسروا [ أي المعتزلة ] القرآن بأعجب تفسير يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم ، ويحملوا التأويل على نحلهم ، فقال فريق منهم في
« وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ »
أي : علمه . وجاءوا على ذلك بشاهد لا يعرف وهو قول الشاعر : « ولا يكرسئ علم اللّه مخلوق » . كأنه عندهم : « ولا يعلم علم اللّه مخلوق » . والكرسي غير مهموز ، ويكرسئ مهموز ، يستوحشون أن يجعلوا للّه كرسيا . . . » . يقول محيي الدين درويش : ولكننا لا نوافق ابن قتيبة على رأيه فإن كثيرين من أهل السّنة ذهبوا إلى ذلك ، ونقل رأي التفتازاني : « إنه من باب إطلاق المركب الحسّي المتوهم على المعنى العقلي المحقق » « 2 » [ وكأن التفتازاني ينفي وجود الكرسي ] .

رأي القرطبي :

ونقل القرطبي عن ابن عباس « كرسيّه : علمه » . « ورجّحه الطبري ، وقيل كرسيه : قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض كما تقول : اجعل لهذا الحائط كرسيا أي ما يعمده . وهذا قريب من قول ابن عباس « 3 » . [ وما من شك فالأمر كما قاله محيي الدين درويش : وهذا بحث طويل يتشعب فيه الجدال بين أهل السنة والاعتزال ] « 4 » . وذكر القرطبي : « ومنه قيل للعلماء : الكراسي لأنهم المعتمد عليهم كما يقال أوتاد الأرض ، واستدل بقول الشاعر :
يحفّ بهم بيض الوجوه عصبة * كراسي بالأحداث حين تنوب
هامش
( 1 ) محي الدين درويش ، إعراب القرآن وبيانه ، ط ( 4 ) ، مج ( 4 ) ، ص ( 283 ) . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص ( 284 ) . ( 3 ) انظر القرطبي ، مج ( 2 ) ، ط دار الحديث ، القاهرة ، ص ( 274 ، 275 ) . ( 4 ) المصدر نفسه .