تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
مشهدين مصورين حيين متحركين : المثل الأول هو :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 )
« 1 » . « في هذا صوّر القرآن طبيعة المنافقين المتقلبة المتأرجحة ، فهم لم يعرضوا عن الهدى والإيمان ابتداء مثل الذين كفروا ، ولكنهم أعرضوا عنه بعد ما عرفوه وبعد ما استوضحوا الأمر وتبينوه ، ولذلك استحبوا العمى على الهدى ، فسيق لهم هذا المثل المصوّر لحالتهم : مثلما استوقد نارا فلما أضاء نورها لم ينتفع به لأن اللّه ذهب بنوره ، فلم يعد يبصر شيئا » « 2 » .

مشاهد الطبيعة المصوّرة :

لقد أبرز القرآن كثيرا من مشاهد الطبيعة ، فحدث عن ينابيع المياه ، والطيور الصافات القابضات ، والسماء المرفوعة من دون عمد ترونها ، والجبال المتحركة ، والشمس والقمر ، والنجوم ، وغير ذلك . . . » . وسنتوقف عند بعض النماذج التي صوّرها القرآن بتصويره الفني : قال تعالى :
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ( 2 ) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 3 ) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
« 3 » . « في هذه المشاهد تصوير حي معجز ترسمه الريشة القرآنية على شكل لمسات تصويرية : لمسة في السماوات حيث رفعت بغير عمد . لتبين العلو المنظور للناس . تجاورها وتتسق معها لمسة تصويرية أخرى في العلو المطلق
( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ )
ثم لمسة مصورة ثالثة في تسخير العلو المنظور إلى الناس حيث سخّر الشمس والقمر ، ثم تهبط الريشة القرآنية لتخطط وجه الأرض خطوطا تصويرية عريضة في لوحة مصورة اللمسة الأولى فيها ، هي الأرض مبسوطة ، ممدودة ، فسيحة . ثم ترسم خط الجبال الرواسي وخط الأنهار الجارية في هذه اللوحة ، ثم ترسم خطوطا كلية لما في هذه الأرض
( وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ )
ثم المشهد المتحرك لليل وهو يغشى النهار ، ثم تخطط الريشة
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآيتان : ( 17 ، 18 ) . ( 2 ) الظلال ، ( 1 / 46 ) . ( 3 ) سورة الرعد ، الآيات : ( 2 - 4 ) .
التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 353 | عبد القادر محمد صالح