الحركة المرئية وفي مثل هذه المساحة الصغيرة من التعبير » « 1 » .
وهناك مشهد واقعي قدّمه القرآن بطريقته الفنية التصويرية في يوم حنين ، قال تعالى :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 25 ) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 26 )
« 2 » يقول مفسرا تفسيرا تصويريا لمشاهد يوم حنين الشاخصة المتحركة ، الشاخصة بمشاهدها المادية والانفعالية حتى أن القارئ ولشدة براعة الرسم بالكلمات والتصوير اللافت البديع يرى نفسه وكأنه يرافق المؤمنين في سيرهم إلى الطائف ، ويقع بصره عليهم في وادي حنين ، ويرى مسلسل الأحداث على شريط مسجل مرسوم يصوّر ملامحهم ، ويوضح حركاتهم :
« فمن انفعال الإعجاب بالكثرة ، إلى زلزلة الهزيمة الروحية ، إلى انفعال الضيق والحرج ، حتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشد عليهم ، إلى حركة الهزيمة الحسيّة وتولية الأدبار والنكوص على الأعقاب « ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين » « وكأنما السكينة دواء ينزل فيثبت القلوب الطائرة ويهدئ الانفعالات الثائرة « وأنزل جنودا لم تروها » فلا نعلم ماهيتها وطبيعتها . . وما يعلم جنود ربك إلّا هو » « 3 » .
4 - التصوير بضرب المثل :
لقد ضرب القرآن الكريم كثيرا من الأمثال فكثيرا ما يشبه الأعمال الكريمة المبرورة بأشياء حسية مادية لها في قلوب الإنسان التقدير والأهمية لما لها من أثر في حياتها الواقعية ، من ذلك : تمثيل القرآن للصدقة في سبيل اللّه بالحبة التي تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، ومنها تمثيل الصدقة التي تبذل رئاء الناس بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا . ومثل القرآن الصدقة المبذولة في سبيل اللّه بجنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل ، ومنها تمثيل أعمال الكفار بريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وتمثيل الذين يتخذون أولياء من دون اللّه كمن يلتجئ إلى بيت العنكبوت ، والذين يدعون من دون اللّه كمن ينعق بما لا يسمع . . .
ووقف صاحب الظلال عند كل هذه الأمثال السابقة وغيرها ، ولكن سنعرض قوله في هذا التمثيل الذي رسم حال المنافقين الذين اشتروا الضلالة بالهدى حيث رسم لهم
هامش
( 1 ) الظلال ( 3 / 4 ، 15 ) . دار الشروق ، ط ( 2 ) ، ( 1975 ) .
( 2 ) سورة براءة ، الآيتان : ( 25 ، 26 ) .
( 3 ) الظلال ، ( 3 / 1617 ) .