تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير و المفسرون في العصر الحديث — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
قال اللّه تعالى :
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 )
« 1 » . إن المعنى الذهني الذي صورته هذه الآية الكريمة هو أن الذين أوتوا الكتاب جحدوا كتاب اللّه الذي أنزل على رسوله صلى اللّه عليه وسلّم وابتعدوا عنه بتفكيرهم وحياتهم وكافة شؤونهم ، بيد أن التعبير القرآني صوّر المشكلة بنقلها من دائرة التجريد إلى المحسوس « ويمثل عملهم بحركة مادية متحيلة تصوّر هذا التصرف تصويرا بشعا زريا ينضح بالكنود والجحود ويتسم بالغلظة والحماقة ، ويفيض بسوء الأدب ويدع الخيال يتملّى هذه الحركة العنيفة : حركة الأيدي تنبذ كتاب اللّه وراء الظهور » « 2 » . وقال تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 )
« 3 » . فالمعنى الذهني الذي تريد الآية الكريمة أن تبينه هو أن الكفار الذين عكفوا على عبادة الأصنام التي لا تسمع كلاما ، ولا تبادر أبدا إلى استجابة لدعاء ، عبادتهم خاطئة زائفة ودعاؤهم لها طيش وحمق وسفه لا فائدة فيه . ولكن الكتاب الكريم قدم هذه الحال الفكرية الذهنية بصورة فنية حسية ، خالعا عليها « صورة زرية تليق بأعمالهم ، صورة البهيمة السارحة التي لا تفقه ما يقال لها ، بل إذا صاح بها راعيها سمعت مجرد صوت لا تفقه ما ذا يعني ! بل هم أضل من هذه البهيمة ، فالبهيمة ترى وتسمع وتصيح وهم صمّ بكم عمي » « 4 » .

2 - تصوير الحالات النفسية :

كذلك فإن القرآن يجعل من الحالات النفسية المجردة حالات مشخصة محسوسة على ما رأيناه في تصوير القرآن الكريم للحالات الذهنية . من المعلوم أن القرآن تضمّن الكثير من الآيات الكريمة المصوّرة للحالات النفسية الإيمانية والحالات النفسية عند المشركين مثل قوله تعالى وهو يصور حالة المشرك النفسية :
قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 71 )
« 5 »
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : ( 101 ) . ( 2 ) الظلال ( 1 / 95 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : ( 171 ) . ( 4 ) الظلال ، ( 1 / 155 ) . ( 5 ) سورة الأنعام ، الآية : ( 71 ) .