القلوب كل ذلك للمصلحة العامة ، فالنسخ ضروري في الأحكام خصوصا عند الأمة الناشئة بسبب تطورها سريعا ، فما يصلح علاجا اليوم قد لا يصلح غدا ، شأن المربي والطبيب الماهر مع مريضه » .
هل كان النسخ لجهل الشارع بالحكم :
بكل تأكيد لم يكن النسخ بسبب جهل الشارع بالحكم الأخير [ فالكل تنزيل اللّه العليم الحكيم ] . ولكن كان الشارع يتدرج ويعالج تبعا للظروف والأحوال . . . انظر إليه حيث عالج الخمر . . . وكيف نسخ الحكم فيها . . . حتى وصل إلى النهاية وكذا آيات القتال نجد أن النسخ كان لحكمة عالية من حكيم خبير . . . » « 1 » .
في حين لمّا بدأت الأمة تستقر ، ويترسخ كيانها « لم يبق نسخ ، أليس هذا أولى من بقاء الأحكام لا تتغير تبعا للظروف الطارئة فيضطر إلى هجرها وعدم قبولها ؟ ! فاللّه لم ينسخ آية أو يؤجلها إلّا ويأتي بخير منها للعباد أو مثلها على الأقل أليس اللّه على كل شيء قدير . . . » « 2 » .
وعلى كل حال فقد تم التطرق إلى الناسخ والمنسوخ في عدد من البحوث التي أعددناها حول التفاسير ، وذكرنا أن الجمهور مع القول بالنسخ غير أن أبا مسلم الأصفهاني لا يقول بوجود النسخ . . . وذهب بعض المعاصرين إلى عدم وجود النسخ ، ووجهوا الآيات توجيها آخر جعل الآيات عاملة كلّها ، لكن كلّ آية تعمل في موقعها المناسب وقد ذكر ذلك صاحب التفسير الواضح :
« هذا رأي بعض العلماء في النسخ والقول به [ أي رأي القائلين به ] وبعضهم يرى ألا نسخ أبدا بالمرة ، وكلّ آية قيل إن فيها نسخا أوّلوها تأويلا سائغا ببيان أن كل آية في موضوع فلم تنسخ إحداهما الأخرى ، انظر إلى آيات العدة الآتية ، وآيات القتال » « 3 » .
وقد عالج علماء أصول الفقه موضوع الناسخ والمنسوخ ، كما عالج الموضوع المفسرون للقرآن الكريم ، ومن أراد الاستزادة فليراجع المسألة في مظانها .
هامش
( 1 ) محمد محمود حجازي ، التفسير الواضح ، ( 1 / 62 - 65 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 65 ) .