( مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ )
: أي فيه آيات بينات واضحات الدلالة ، لا التباس فيها ولا غموض كآيات الحلال والحرام ، هن أصل الكتاب وأساسه .
( وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ )
: أي وفيه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس ، فمن رد المتشابه إلى الواضح المحكم فقد اهتدى ، وإن عكس فقد ضل .
ولهذا قال تعالى :
( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ )
: أي فأمّا من كان في قلبه ميل عن الهدى إلى الضلال فيتبع المتشابه منه ويفسّره حسب هواه .
( ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ )
: أي طلبا لفتنة الناس في دينهم ، وإيهاما للأتباع بأنهم يبتغون تفسير كلام اللّه .
( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ )
: أي لا يعلم تفسير المتشابه ومعناه الحقيقي إلا اللّه وحده .
( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ )
: أي الثابتون المتمكنون من العلم يؤمنون بالمتشابه وأنه من عند اللّه « 1 » .
« كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » . . .
وفي سياق الفوائد : روى مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قرأ قوله تعالى :
« هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ،
الآية ثم قال : « إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم اللّه فاحذرهم » « 2 » .
وقال القرطبي : « أحسن ما قيل في المتشابه والمحكم : أن المحكم ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره ، والمتشابه ما استأثر اللّه تعالى بعلمه دون خلقه ولم يكن لأحد إلى علمه سبيل .
قال بعضهم : وذلك مثل وقت قيام الساعة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج الدجال وعيسى ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور » « 3 » .
والقرآن قسمان : محكمات ومتشابهات كما دلّت عليه الآية الكريمة ، فإن قيل : كيف يمكن التوفيق بين هذه الآية وبين ما جاء في سورة هود أن القرآن كلّه محكم
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
وما جاء في الزمر أن القرآن كلّه متشابه :
نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً
؟ ! فالجواب أنه لا تعارض بين الآيات إذ كل آية لها معنى خاص غير ما نحن في صدده فقوله :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
بمعنى أنه ليس به عيب ، وأنه كلام حق فصيح الألفاظ ، صحيح المعاني .
هامش
( 1 ) محمد علي الصابوني ، صفوة التفاسير ، ( 1 / 184 ، 185 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه ، ( 1 / 186 ) .