والنفس أيضا من الدباغ بمقدار الدبغة ، تقول : أعطني نفسا من دباغ ، أي قدر ما أدبغ به مرة . والنفس الغيب ، يقول القائل إني لا أعلم نفس فلان أي غيبه . وعلى هذا تأويل قوله تعالى
( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ )
أي تعلم غيبى وما عندي ، ولا أعلم غيبك . وقيل : إن النفس أيضا العقوبة ، من قولهم أحذرك نفسي ، أي عقوبتي . وبعض المفسرين يحمل قوله تعالى
« وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ »
على هذا المعنى كأنه يحذركم عقوبته ، وروى ذلك عن ابن عباس والحسن وآخرين ، قالوا : معنى الآية يحذركم اللّه إياه . وقد روى عن الحسن ومجاهد في قوله تعالى
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ »
ما ذكرناه من التأويل بعينه .
فإن قيل : ما وجه تسميته الغيب بأنه نفس ؟ قلنا : لا يمتنع أن يكون الوجه في ذلك ، أن نفس الإنسان لما كانت خفية الموضع ، نزل ما يكتمه ويجتهد في ستره منزلتها ، وسمى باسمها فقيل فيه : إنه نفسه ، مبالغة في وصفه بالكتمان والخفاء . وإنما حسن أن يقول تعالى مخبرا عن نبيه عليه الصلاة والسلام « ولا أعلم ما في نفسك » من حيث تقدم قوله تعالى
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي »
ليزدوج الكلام ؛ ولهذا لا يحسن ابتداء ، أنا لا أعلم ما في نفس اللّه تعالى وإن حسن على الوجه الأول ، ولهذا نظائر في الاستعمال مشهورة مذكورة . فأما الخبر الذي يرويه السائل فتأويله ظاهر ، وهو خارج على مذهب العرب في مثل هذا الباب المعروف ، ومعناه : أن من ذكرني في نفسه جازيته على ذكره لي ، وإذا تقرب إلىّ شبرا جازيته على تقربه إلىّ . . . وكذلك الخبر إلى آخره ، فسمى المجازاة على الشيء باسمه اتساعا ، كما قال تعالى
« وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها »
« 1 »
« وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ »
« 2 » .
« اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ »
« 3 » . وكما قال الشاعر :
هامش
( 1 ) في الآية ( 40 ) من سورة الشورى .
( 2 ) في الآية ( 30 ) من سورة الأنفال .
( 3 ) في الآية ( 15 ) من سورة البقرة .