ولهذا نجده لا يعتبر من التفاسير اللغوية إلا ما كان له شاهد من اللغة أو الشعر العربي القديم . أما التفسير المطلق ، الذي لا يعتمد على شاهد من ذلك ، فإنه يرفضه ولا يرضاه . وإليك بعض الأمثلة التي تصور لك عناية المرتضى بهذا المبدأ اللغوي .
ففي المجلس 23 ج 2 ص 6 - 9 يقول ما نصه : إن سأل سائل عن قوله تعالى
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ »
« 1 » ما المراد بالنفس في هذه الآية وهل المعنى فيها كالمعنى في قوله
« وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ »
؟ أو يخالفه ؟ أو يطابق معنى الآيتين ، والمراد بالنفس فيهما ما رواه أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : يقول اللّه عز وجل : إذا أحب العبد لقائي أحببت لقاءه ، وإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي . وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ، وإذا تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا ، أو لا يطابقه ؟ . . الجواب : قلنا : إن النفس في اللغة لها معان مختلفة ، ووجوه في التصرف متباينة : فالنفس نفس الإنسان وغيره من الحيوان ، وهي التي إذا فقدها خرج عن كونه حيا ، ومنه قوله تعالى
« كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ »
« 2 » . والنفس ذات الشيء الذي يخبر عنه ، كقولهم : فعل ذلك فلان نفسه ، إذا تولى فعله . والنفس الأنفة ، من قولهم :
ليس لفلان نفس ، أي لا أنفة له ، والنفس الإرادة ، من قولهم : نفس فلان في كذا ، أي إرادته . قال الشاعر :
فنفساى نفس قالت ائت ابن بجدل * تجد فرجا من كل غم تهابها
ونفس تقول اجهد نجاك فلا تكن * كخاضبة لم يغن شيئا خضابها
ومنه : أن رجلا قال للحسن البصري : يا أبا سعيد لم أحجج قط ، فنفس تقول لي حج ، ونفس تقول لي تزوج ، فقال الحسن : أما النفس فواحدة ، ولكن لك هم يقول : حج ، وهم يقول : تزوج ، وأمره الحج . . . وقال الممزق العبدي ، ويروى لمعقر بن حمار البارقي :
هامش
( 1 ) في الآية ( 116 ) من سورة المائدة .
( 2 ) في الآية 185 من سورة آل عمران .