ولكنّه في نفس الوقت يقرّ بأنّ وراء الظاهر باطنا ، ولكنّه يحدّد له شرطين :
الأوّل : أن يكون الكاشف عنه ظواهر الآيات نفسها ، فالظاهر عنوان الباطن وطريقه .
الثاني : أن لا يكون الباطن مناقضا لمعطيات ظواهر الكتاب نفسه وحقائق الشريعة .
فهو يقول : « إنّ القول بأن تحت ظواهر الشريعة حقائق هي باطنها حقّ ، والقول بأن للانسان طريقا إلى نيلها حق ، ولكن الطريق انّما هو استعمال الظواهر الدينية على ما ينبغي من الاستعمال لا غير ، وحاشا أن يكون هناك باطن لا يهدي إليه ظاهر ، والظاهر عنوان الباطن وطريقه . . . وحاشا أن يكون هناك باطن حق ولا يوافقه ظاهره ، وحاشا أن يكون هناك حق من ظاهر أو باطن والبرهان الحق يدفعه أو يناقضه ، وحاشا أن يكون هناك شيء آخر أقرب مما دلّ عليه شارع الدين غفل عنه أو تساهل في أمره ، أضرب عنه لوجه من الوجوه بالمرّة ، وهو القائل عزّ من قائل :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
« 1 » .
لذا فانّه يحدّد أنّ المعنى الباطن إنّما يكون في طول المعنى الظاهر لا في عرضه ، ولا تزاحم بينهما « 2 » .
ونجده في أكثر من موضع ينتقد من ناقض ظواهر الدين وحكم العقل ، ومن ذلك بعض المتصوفة وأهل الباطن الّذين اعتقدوا أن ما يصلون إليه من الباطن هو المقصود وأنّ الباطنيّات لا ينالها فهم أهل الظاهر ، فيقول : « ولو كان الأمر على ما يدّعون وكانت هي لب الحقيقة وكانت الظواهر الدينية كالقشر عليها لكان مشرع الشرع أحقّ برعاية حالها وإعلان أمرها كما يعلنون ، وإن لم تكن هي الحق فما ذا بعد الحق إلّا الضّلال » « 3 » .
هامش
( 1 ) - الميزان / ج 5 / ص 288 .
( 2 ) - القرآن في الاسلام / ص 41 .
( 3 ) - الميزان / ج 6 / ص 287 ، وج 1 / مقدّمة المفسّر .