ففي المثال الأول يستحيل الهدى والضلال نورا وظلمة ، ثم تبدأ عملية الإخراج المتخيلة . وفي المثال الثاني يصبح الإيمان عروة ، ثم تبدأ الحركة المتخيلة في الاستمساك بها . فتؤدي هذه الصور المجسّمة المتحركة إلى تمثل أوضح وأرسخ للمعنى الخيالي المجرد .
* * * بهذه الطريقة المفضلة في التعبير عن المعاني المجردة ، سار الأسلوب القرآني في أخص شأن يوجب فيه التجريد المطلق ، والتنزيه الكامل : فقال :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
.
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
.
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
.
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
.
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
.
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
.
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
.
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ
.
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
.
وَقالَتِ الْيَهُودُ : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا ، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
.
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ
. . . إلخ .
وثار ما ثار من الجدل حول هذه الكلمات ، حينما أصبح الجدل صناعة ، والكلام زينة . وإن هي إلا جارية على نسق متبع في التعبير ، يرمي إلى توضيح المعاني المجردة وتثبيتها ؛ ويجري على سنن مطرد ، لا تخلف فيه ولا عوج . سنن التخييل الحسي والتجسيم في كل عمل من أعمال التصوير .