كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس . وقد حصل بذلك على معنى الشمول هاهنا مثل الذي هناك . وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها ، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان فيها . ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل : وفجرّنا عيون الأرض ، أو العيون في الأرض ، لم يفد ذلك ، ولم يدل عليه ، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض ، وتبجس من أماكن فيها » . . .
رحم اللّه « عبد القاهر » لقد كان النبع منه على ضربة معول فلم يضربها . إن الجمال في « اشتعل الرأس شيبا » .
« وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً »
هو في ذلك الذي قاله من ناحية النظم ، وفي شيء آخر وراءه ، هو هذه الحركة التخييلية السريعة ، التي يصوّرها التعبير :
حركة الاشتعال التي تتناول الرأس في لحظة ، وحركة التفجير التي تفور بها الأرض في ومضة . فهذه الحركة التخييلية تلمس الحسّ وتثير الخيال ، وتشرك النظر والمخيلة في تذوّق الجمال . وهي في « واشتعل الرأس شيبا » أوضح وأقوى . لأن حركة الاشتعال هنا حركة ممنوحة للشيب . وليست له في الحقيقة ، وهذه الحركة هي عنصر الجمال الصحيح . يدل على ما نقول ، إن الجمال في قولك :
« اشتعل البيت نارا » ، لا يقاس ولا يقرب من قول القرآن :
« اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً »
، ففي التعبير بالاشتعال عن الشيب جمال ، وفي إسناد الاشتعال إلى الرأس جمال آخر ، يكمل أحدهما الآخر .
ومن كليها ، لا من أحدهما ، كان هذا الجمال الباهر ! وهذا هو الذي وقف دونه عبد القاهر ؛ وإن كان يبدو أنه كان يحسّه في ضميره ، ولا يصوّره كاملا في تعبيره . وليس لنا على أية حال أن